غزة… حين تنهض اللغة من رمادهاقراءة في قصيدة الشاعر عماد المقداد/ قلم د. مفلح شحادة




 غزة… حين تنهض اللغة من رمادها

قراءة في قصيدة الشاعر عماد المقداد

 تمهيد: الشعر حين يتحوّل إلى ضميرٍ للإنسانية

في قصيدته «غزة»، لا يكتب عماد المقداد عن مدينةٍ جريحةٍ فحسب، بل يكتب عن الجوهر الإنساني حين يُمتحن بالصبر، وعن الكرامة حين تتجسد في هيئة أنثى من نارٍ ونور.

هنا لا يتكلم الشاعر من وراء الزجاج، بل من القلب الملتهب ذاته.

يتقدّم إلى القصيدة لا بوصفه راويًا، بل شاهدًا يحمل بين يديه بقايا ضوءٍ في زمنٍ يتكاثر فيه الظلام.

غزة في هذا النص ليست عنوانًا مكانيًّا، بل رمزًا أنثويًّا للمقاومة الكونية، تتجاوز الجغرافيا إلى المعنى، والحدث إلى الخلود.

القصيدة تمزج بين بلاغة التصوير الكلاسيكي وإيقاعٍ روحيّ حديث، فتصبح نصًّا على تخوم الملحمة والابتهال، فيها من عمق المعنى بقدر ما فيها من نقاء الإحساس.


 أولًا: العين بوصفها ذاكرة التاريخ


أفي عينيكِ تأريخُ البطولاتِ / وجرحِك طاب يومًا ما انطوى خجلا


يفتتح الشاعر قصيدته بصورةٍ بصرية مكثفة تختصر الزمن كلّه في عيني غزة.

العين هنا ليست عضوًا جسديًا، بل أرشيف الوجدان الجمعي، تُخزّن التاريخ والدمع والمجد في آنٍ واحد.

وحين يقول "جرحك طاب يومًا ما انطوى خجلا"، فإنه لا يصف شفاءً جسديًّا، بل تطهّرًا أخلاقيًا للجراح؛ فالجرح لا يخجل من الدم، بل من أن يُرى متخاذلًا أمام صلابتها.

بهذه الصورة، يُعلن المقداد منذ البدء أنّ الأنوثة البطولية هي مركز المعنى، وأن الجمال هنا ليس نقيض القوة، بل جوهرها.


 ثانيًا: من الأنثى إلى الوطن – التحوّل الرمزي


أ غزّةُ يا نُهى الأرواحِ يا وطنًا / يُعلِّمُ صخرُه الإنسانَ ما السُّبُلا


في هذا البيت، يبلغ النداء قمّة الشفافية العاطفية والفكرية معًا.

فغزة تُخاطَب لا كأرضٍ محاصَرة، بل كـ "نُهى الأرواح"، أي وعي الوجود وأقصى مراتب النُبل.

هنا تتجلى قدرة الشاعر على تحويل الوطن إلى فكرةٍ فلسفية:

الوطن ليس مكانًا نعيش فيه، بل قيمةً تعيش فينا.

حتى الصخر  في مفارقةٍ شعرية مذهلة  يصبح معلّمًا للإنسان.

صخر غزة ينطق، لا بل يُدرّس البشرية معنى الثبات،

ليقول إنّ الجماد حين يُلامس الإيمان يتحوّل إلى كائنٍ حيٍّ يعلّم الإنسان كيف ينهض.


 ثالثًا: يقينٌ يقاتل حين تخذل السيوف


تقاتل باليقينِ وما انثنت كسفا / وتزرع في المدى نورًا ومُقتبلا


البيت هنا هو قلب القصيدة النابض بالإرادة.

لا يتكئ الشاعر على مفردات الحرب التقليدية؛ لا سيف ولا نار، بل اليقين وحده هو السلاح.

يضع المقداد بين "القتال" و"الزراعة" مفارقة بلاغية مدهشة:

فهي تقاتل لتزرع، وتزرع لا لتعيش، بل لتورّث النور والمستقبل.

إنه تحويل المقاومة إلى فعلٍ خَلقيّ؛

فالنور ليس نتيجة، بل بذرة تُزرع في المدى.

وبهذا، يُقدّم الشاعر غزة كقوّة توليدٍ لا كحالة دفاع،

كأنها أمٌّ كونية تلد النور من رحم الألم.


 رابعًا: الفلسفة الأخلاقية للسمو


وإن ضاقت بها الدنيا تسامت / تفكّر في العُلا لا في من انخذلا


هذا البيت لا يُقرأ كتصويرٍ شعريّ فحسب، بل كـ بيانٍ أخلاقيّ وموقفٍ إنسانيّ.

غزة لا تنكفئ على جرحها، بل تصعد فوق الألم إلى الوعي.

وحين تخذلها الدنيا، لا تردّ بالمرارة، بل بالعلوّ.

إنه درس فلسفي في النقاء:

أن لا تفكر في الخذلان بل في المقصد،

أن لا تُسرف في محاسبة الخائنين، بل في صناعة ما بعد الخيانة.

بهذا السموّ الأخلاقي، تتحول القصيدة من أدب مقاومة إلى أدب قداسة؛

غزة تُعلّمنا كيف يكون الصبر أفقًا لا قيدًا.


 خامسًا: القمر الذي يُطلّ من بين الحصار


فغزّتنا ولو أطبقت يا ليلُ / لأشرق في الدجى قمرٌ إذا نزلا


في هذا المشهد، ينفتح النص على مجازٍ كونيٍّ عظيم.

الليل، رمز الظلام والخذلان، يتحدّاه الشاعر بنداءٍ صريح.

لكن ما يُدهش هو هذا "القمر" الذي لا ينتظر شروق الفجر، بل ينبثق من العتمة ذاتها.

كأنّ غزة تُنير لا لأنها بعيدة عن الليل، بل لأنها في قلبه.

بهذا، تتحول القصيدة إلى أنشودة لخلق النور من رحم الألم،

وتغدو غزة الاستعارة الكبرى للأمل البشري الذي لا يُطفأ.


 سادسًا: الطوفان الأخير – حين تغسل العزيمة التاريخ


وطوفانُ العزيمةِ إن سرى عتمًا / يعيدُ المجدَ والعمرانَ مُقتبلا


الختام هنا يشبه انبلاج الفجر بعد طوفانٍ تطهيريّ.

الطوفان في الذاكرة الدينية رمزٌ للغرق،

لكن المقداد يُعيد بناء الدلالة:

طوفان غزة ليس للهدم، بل للبعث.

إنه سيل العزيمة حين يفيض على الخراب فيغسل وجه الأرض.

وبهذا المعنى، تصبح القصيدة رؤيةً نبوية للنهضة،

فغزة لا تكتفي بالمقاومة، بل تعيد تشكيل التاريخ والإنسان والعمران.


 خاتمة:


قصيدة «غزة» نصٌّ مكتوب على حدّ السيف ووهج النور معًا.

فيها نرى كيف يمكن للشاعر أن يجعل اللغة تصلي لا تكتب، وتقاتل لا تصف.

يمزج عماد المقداد بين المجاز الصافي والفكرة الفلسفية في تناغمٍ نادر،

فيعيد إلينا الشعر بوصفه ضميرًا أخلاقيًا وجمالًا خالدًا.

غزة في هذه القصيدة ليست جرحًا في الجسد العربي، بل نبضًا كونيًّا يذكّرنا أن الإنسانية لا تُقاس بعدد المدن المهدّمة، بل بعدد القلوب التي ما زالت تؤمن بالنور.

إنها قصيدة تُكتب لتبقى، لأنّها تُحوّل الوجع إلى أغنية، والأنين إلى وعدٍ بالقيامة.


دكتور مفلح شحادة شحادة كاتب وشاعر وناقد المانيا


القصيدة :

#غزة
أفــي عَينَيْــكِ   تَأريــخُ    البُطــولاتِ
و جُرحِكْ طاب يوما ما انْطَوى خَجَلا

​أ غَزَّةُ  يا  نُهــى   الأرواحِ   يا  وَطَنــاً
يُعلِّمُ   صَخْرُهُ   الإنسانَ  ما   السُّبُــلا

​تُقاتِلُ   باليقينِ  و ما   انثنت   كسفا
و تَزرَعُ  في   المدى  نُوراً   و مُقْتَبَلا

​و إنْ ضاقَتْ  بها   الدّنيا   تَسامَتْ
تُفَكِّرُ في  العُلى لا في  مَنِ  انخَذَلا

​فغَزَّتنـا  و لـــو أطبَقْـت    يا   لَيـــلُ
لأشــرق في  الدُّجـــى قَمَـراً إذا نَزَلا

​و طــوفانُ العزيمـةِ إنْ سَـرَى عَتْـما
يعيـدُ المـجــدَ  والعمـــرانَ  مُقْتَبَــلا
-------------------
عماد المقداد
( نهى الأرواح )
٩ اكتوبر  ٢٠٢٥

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قراءة في ( قصيدة حمير السياسة) للأديب الفنان عماد المقداد بقلم/ د. مفلح شحادة

((الرؤية المستقبلية)) رحلة في فكر الباحث أبو عبدالله المقدادي - بقلم الناقد / محمد الحراكي