الإرث التاريخي والوجداني وأثره على أعمال الفنان التشكيلي عماد مقداد .. بقلم : محمد الحراكي / ابن العابدين


لعل وسائل الإلهام والوعي المكتسبة  والمعاشة ، غالبا ماتأخذ  من ( المكان -البيئة والطبيعة ) التي تشكل منهلاً لافكار الفنان  ومشاعره ، وعند النظر الى البيئة التي ولد فيها الفنان التشكيلي /عماد مقداد .. تطالعك  مجموعة من المباني  الأثرية الضخمة  على امتداد المدينة وحول قلعتها الأهم أثريا في العالم الرابضة في سهل حوران  الخصب ومياهه العذبه - (( بصرى الشام )) - عاصمة الأنباط في القرن الأول الميلادي، ومن أهم العواصم الرومانية ، وماتعاقبت عليها من حضارات تركت فيها أهم المنشآت الأثرية ، فكانت مركز المقاطعات الرومانية، وعاصمة، دينية ، وتجارية وثقافية،  لعدة حضارات توالت .


وقد زارها الرسول الكريم سيد الخلق محمد صل الله علي وسلم ، وقابل الراهب بحيرة المسيحي الذي تنبأ بنبوته ، وجاء ذلك في الكتب المقدسة والقرآن الكريم ..وقد تجلى تأثير هذه البيئة الغنية ، بالإرث التاريخي  والعطاء، الوجداني ، وانعكاس ذلك على العمل الفني ، الذي انطلق فيه الفنان ( عماد المقداد ) من  مخزون الذاكرة  على إبداعه ،في خطابه البصري ،بقدرات فنية  ملهمة  بمرجعية المشاهدة الحاضرة في الذاكرة .


ومع ذلك لم يقف الفنان عماد  عند نقل الصورة، بل صاغها برمزية ، وزاوج مابين الطبيعة الساحرة وذاكرة التاريخ ..




وقد كانت انفعالات الفنان عماد مقداد ، واسقاطاته التي شكلت مساحة  في فضاء لوحاته وموضوعاتها الوجدانية التي تضعه بعلاقة ذاته مع تلك البيئة ،  وذلك المكان .وقد كان لوعي الفنان عماد لتحولات  العمل الفني ، وثبة للوصول إلى التذوق المعرفي ، والتجربة الروحية، ولقاء الناس ، في كثير من المعارض الشخصية، و المشتركة في كثير من الأحيان ، والتي أطل علينا بها بإبداع مميز ونضوج في التصور والتخيل .


وكثير من الجداريات  التي صاغ بها أفكاره وهواجسه بآفاق ، مفتوحة ، وتداعيات عفوية، اتسمت بالدهشة، والإتقان .


الفنان عماد استطاع في أغلب لوحاته ، نقل محاكاته  للظلم وللشر،  من خلال قسمات الوجوه في بعض لوحاته التجريدية المتسقة موضوعياً  وجمالياً من خلال الالوان ،  وتضاداتها ، ومزجها أيضا بمنظور ضوئي  منح به الاسقاطات الوجدانية ، التي يرمز  لها  لتنوب عن كينونة الرفض  للظلم ، ليستعيد الصورة  التاريخية  المشرقة.


وقد سعى ( الفنان عمـاد ) لتضمين  البناءات  في لوحاته ، بتكوينات  وتجسيدات في سريالية عبرت عن تمثلاته ، في هذا السياق وفي التشكل واللون والحركة .




ولعل استغراقه في الذات وتفاعله  مع التدفق  الأبداعي الذي ينبعث  بعفوية اللحظة  واختصاره  المشاهد  بخطوط وتداخلات ، تخلق حالة من الجدل  والحوار ، وقراءات ثائرة ، صاخبة ورافضة، حيث أن مواضيعه  لم تكن حيادية ،  وهو يشاهد نهوض الشر  واستفحاله ،  وغياب القوة  في الخير .


وقد  سبق أن كان يخلد قراءته الأحداث  برسوم  الكاركتير التي تتخذ موضوع اللحظة  بكل تفاصيلها ، وبعدها ، وماضيها وحاضرها ،  لقد كانت مواضيعه بعيدة عن الحيادية ولها موضوعاتها الصارخة ، وخاصة،  عند متابعة ريشته لفضاء اللوحة، بما يحقق الدهشة ،  والحضور .


فاللوحة عند الفنان ( عماد مقداد ) ليس مجرد صورة فوتوغرافية  عن الواقع ، بل هي علاقة إنسانية  طويلة تمتد عبر الماضي ، والحاضر والمستقبل ، وكينونة ثقافية من الانفعالات  والنصوص  في الخير والشر والفرح  والحزن ، وحتى ما يأتي من الحكمة في الأساطير ،  والبحث دائما عن الحرية وتحطيم القيود ،  والسمو في كينونة ، لوحاته ، طهرا ، ووجدانا .





لقد اعتمد الفنان عماد  في بعض تجاربه  التي أبدع فيها على أسلوب ابتدعه أسماه (التجريد  الطبقي التكويني)  حيث شكلت لدية مدرسة جمالية في تقسيم اللوحة  إلى طبقات ، مكوناً ومستحدثاً للخطوط والتبسيط ،  وتدرجات ألوانه التي تبعث الجمال ، في اللوحة ،   وتمنحها إشراقة تجاوزت  بها جغرافيتها ، وتفردت ، بهندسة ،  واتساق منطقي مريح .


لقد كان لتدرجات اللون عند ( الفنان عماد )  والتضادات التي يبدأ بها  ، ثم  يكثفها في  الوسط  لتختفي ، وتغيب في خلفية البعد  في لوحاته  ، تمثل  نوتات  تبعث لدى المتلقي  والمشاهد ،  شيئاً من الطمأنينة   والسكون ، وبناؤه الروحي  في أهمية المكان حيث تضفي  الأفكار، لمسة عذوبة وأنس ، وتشكل التماهي  في تبادل الروح  مع الجسد في أجمل ما يلائم الفكر والرغبة ، في ذلك التذوق المعرفي ، والمتعة الحسية والمشاهدة .


لقد استمد ( الفنان عماد ) من سمات الطبيعة ، وكثير من خصائصها النمائية ، وتحيز في تأسيس  بعض لوحاته على عدد من التناقضات ، ثم التآلف، في مجاورتها ، بما يعيدها  بوعي جديد بفارق الطبيعة   وفق المكان، بتوالدات تشكلها  الألوان ، والخطوط ، والحركة ، بما تبيح للمشاهد  كل التخيلات .


ولعلنا  في خلاصة القول ..


نذكر  أن غالبية أعمال الفنان ( عماد المقـداد )  اتسمت بالدهشة ، مع عفويتها، وبساطتها،  حيث تقوم اللوحة على الألوان والخطوط، التي تكونان الشكل   ، والمعنى ، والتشبع الكلي للوحة .فيما كانت  بعضها  تقوم على المربعات ،  والدوائر المتداخلة  في الأبعاد ، وتزاوج  بعضها  بين مدرستين مثل: السيريالية والصبغة الرمزية في التجريد، وذلك في إيحاءات مستقبلية حين يشخص بعض النبوءات ..      ولقد اتسمت أعماله بالجرأة والحرية في الأداء  واستعار الكثير من مفردات الطبيعة ، وصفاتها ، وفق تعبيرية ، بتوالدات  العلاقات البصرية ، التي تشكلها الألوان ، وقد كان منهله من عراقة ، وتاريخ ، وحاضر ورؤية مشهودة للمستقل الذي تنشده  الأمة، مجداً وسمواً وعلاءً .. فكل التحية للفنان التشكيلي الذي تمكن من لقبه ( الفنان التشكيلي عماد المقداد )


              بقلم / محمد الحراكي               

                  ابن العابدين

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

غزة… حين تنهض اللغة من رمادهاقراءة في قصيدة الشاعر عماد المقداد/ قلم د. مفلح شحادة

قراءة في ( قصيدة حمير السياسة) للأديب الفنان عماد المقداد بقلم/ د. مفلح شحادة

((الرؤية المستقبلية)) رحلة في فكر الباحث أبو عبدالله المقدادي - بقلم الناقد / محمد الحراكي