كيف خاطر بليغ حمدي بمقام ( الراست ) مع عبد الحليم حافظ - بقلم : عماد المقداد

 


كيف خاطر بليغ حمدي بمقام ( الراست ) مع عبد الحليم حافظ ..
..............................
معلوم للجميع أن العندليب الأسمر رحمه الله دخل عالم الغناء ب(أسلوب جديد مختلف) عما سبقه وحين استمعت له لجنة الإذاعة لأول مرة لم توافق على صوته ( الخواجاتي كما وصفوه ) حتى تغيرت وجاء فيها عبد الوهاب ..

- ما هو الأسلوب المختلف ..؟

أسلوب يعتمد التبسيط في الأداء مخالف لما هو سائد من قوة الأداء وحرفيته وعضلاته وقفلاته الحراقة .. إضافة لطابع خاص في صوت حليم يعتمد بث شحنة من الأداء العاطفي المليء بالإحساس أتقنه صوته الرقيق الذي يحمل ملامح الضعف والانكسار ويفتقر للقوة ..
فيلقي عليك تأثير يجعلك تتعاطف مع رقته .. فصوت حليم محدود من حيث الطبقات والقوة ..
ولكنه يحتوي صفات أخرى نادرة وجديدة على الغناء العربي و الشرقي ..

- وكان يتوج أسلوبه باستخدام مقامات معينة تصلح لهذا النوع من الأصوات و هي مقامات :
( النهاوند والعجم والكرد ) الخالية من الربع تون ..
وهي مقامات قليل ما تستعمل باحتراف في الطرب الأصيل الموجود في المقامات الشرقية :
الراست والبيات والسيغا ..
- ولا يمنع هذا قدرة بعض الملحنين من استخدام المقامات الغربية للطرب حيث أرادوا توجيهها بعبقريتهم ..

- ماذا فعل بليغ حمدي مع عبد الحليم ..؟

- قبل المرحلة الشعبية لبليغ حمدي رحمه الله في ستينيات القرن العشرين كان حليم قد استهلك زمن و عدد كبير من الأغاني في أسلوبه المعروف ..
وكان حليم نادرا ما يطرق المقامات الشرقية ويبتعد عما لا يجيده مثل الموال ..

وكان يحتاج لقفزة معينة تعيد له الصدارة التي خشي وكاد أن يفقدها بظهور أساليب جديدة كان بليغ رائدها ..

فقد نجح وقتها مع محمد رشدي وغيره بمجموعة من الألحان ذات الشجن الشرقي وطابع قريب من تراث المناطق .. والتي راجت جدا وطغت على أساليب بقية الملحنين بل قيل أنه أجلسهم في بيوتهم ..

- جاء حليم بذكائه المعهود يريد استثمار نجاح بليغ في الأسلوب الجديد فصنعوا معا الروائع مثل سواح وعلى حسبي و جانا الهوى .. الخ
فطوع صوت حليم ( الكلاسيكي ) للغناء الشعبي ..!!

- هنا عبقرية بليغ أنه يطوع دائما الموسيقى ويروضها لتليق بمختلف أنواع الأصوات ..
ومشهور هذا عنه ..

فهو خاطر أيضا بصوت آخر أوبرالي وهو صوت ( عفاف راضي ) الغربي الطابع وشرَّقهُ وتحدى الملحنين الذين اخبروه بأنه سيفشل .. فخرجت لهم أسطورة ( ردوا السلام ) التي تحتوي جمل موسيقية طويلة وإيقاعات بطيئة وتحمل طابع أوبرا ولكنها من مقام البيات .. وإيقاعات شرقية مقسوم وغيره ..
فكانت أعجوبة بحق أثارت غيرة زملائه ..

خلطة غريبة عجيبة ..
هذا هو بليغ فعلا ..

المهم ..
وزبدة الحديث ..

بعد مرحلة القصائد الطويلة زي الهوى وموعود وغيرها .. كان بليغ قد هضم صوت حليم بعمق شديد .. حتى استطاع ابتكار أغنية جديدة من مقام الراست الشرقي الطربي بأسلوب جديد وكلام جديد غير معهود لحليم نفسه " الحزين الطابع "
واسمها :
( أي دمعة حزن لا )

وربما كان لحليم محاولات قديمة و قليلة لم توضح قدراته الكامنة على هذا المقام الصعب ..
إلا أن دمعة حزن بأسلوبها هذا كانت بحق نقطة تحول أخرى مهمة في حياة حليم..
وكانت صدمة الوسط الغنائي ..
ثبتت وأثبتت عبقرية هذا الملحن ..

فكل ما فيها يضج بالجديد .. ودراسة هذا اللحن يحتاج لوحده تفصيل ومقالة ..

ولعل أهم ما يمكن أن نذكره من العجائب التي صنعها في داخل هذا اللحن بخلاف مدخله الشرقي و استثمار الكورال بجمل لحنية مخصوص بأسلوبه المعروف.. بإضاءة سريعة على الجزء الأخير من اللحن نلاحظ أن بليغ استطاع مزج روح جديدة ( غناء slow ) مع بداية جملة : ( سافرت كتير معاه ........الخ ) .. جملة لحنية أسطورية لها قدرة تعبيرية فائقة نافست أسلوب محمد الموجي .. ملك التعبيري .. وحملت حليم لآفاق جديدة بعد كل رحلته الطويلة ..

أغنية طربية أصيلة من مقام شرقي ضمن قدرات عبدالحليم ذي الصوت الحساس محدود القوة ..

  • نتائج هذا اللحن ..

ومن نتائج هذا اللحن أنه طغى وقتها على الأغنية المأمولة لعبد الوهاب أنه صنع بها الجديد و التي نزلت معها بذات الحفل ( على ما أذكر فاتت جنبنا) ..وانشغل المجتمع والنقاد بأغنية دمعة حزن تنظيرا وإعجابا ..

وهنا ظهرت حرب عبد الوهاب للعلن بطلبه من حليم تأدية لحن واحد فقط في الحفل .. ووقع حليم في حيرة شديدة : أستاذه ورفيق العمر وشريكه في صوت الفن عبد الوهاب .. أم عبقري النغم وأمل العرب في الموسيقى ( بليغ حمدي ) ..!!!!
ولكن القدر لم يمهله كثيراً في هذه الحيرة .. فقد أسلم الروح ..

نعم ..
إنه زمن بليغ حمدي الذي فرضت ألحانه نفسها وتفوقت على الجميع ..
ومازالت إلى اليوم تحتل الصدارة ..
.............
عماد المقداد ..
( مطبخ بليغ حمدي )

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

غزة… حين تنهض اللغة من رمادهاقراءة في قصيدة الشاعر عماد المقداد/ قلم د. مفلح شحادة

قراءة في ( قصيدة حمير السياسة) للأديب الفنان عماد المقداد بقلم/ د. مفلح شحادة

((الرؤية المستقبلية)) رحلة في فكر الباحث أبو عبدالله المقدادي - بقلم الناقد / محمد الحراكي