عماد المقداد (سيمفونية الحياة والفن والروح) - بقلم الدكتور مفلح الشحادة
الباحث والفنان التشكيلي عماد عبدالله عثمان المقداد: سيمفونية الحياة والفن والروح
من دمشق إلى عمّان… لوحة نابضة بالألوان، الكلمات، والأحلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
المقدمة:
عماد المقداد… حين يتحول الإبداع إلى حياة
هناك أسماء لا تُكتب في دفاتر الحياة فقط، بل تُخلّد في قلوب من عاشوا معهم وعايشوا أعمالهم. واسم عماد المقداد واحد من هذه الأسماء التي تتنفس الفن في كل نبضة، والحكمة في كل خطوة، والجمال في كل حركة.
وُلِد عماد في دمشق العتيقة عام 1970، بين أزقة حيّ باب سريجة التي تصرخ بتاريخها، وتهمس بأسرار العلماء والفنانين، فكان هو الابن الذي جمع بين إرث الأجداد العارفين وروح العصر المتطلعة نحو المستقبل. منذ نعومة أظافره، كان يحمل في عينيه فضولًا لا يعرف حدودًا، وفي قلبه شعلة من الحلم لا تنطفئ، وفي يديه موهبة تتفجر ألوانًا، وكلمات، ونغمات.
عماد المقداد ليس مجرد فنان أو كاتب، بل ظاهرة إبداعية شاملة؛ دمج بين الرسم والموسيقى والأدب، بين النقد الفني والتعليم والإبداع النظري، حتى أصبح صوته في الفن والأدب مرجعًا، ونافذة، ومصدر إلهام لكل من يسعى لتوسيع حدود خياله. كل لوحة له، كل نص، وكل نغمة، هي رسالة تقول: "الحياة أكبر من أن تُحصر في شكل واحد، والإبداع لا يعرف قيودًا."
هذه السيرة ليست مجرد سرد لأحداث حياتية؛ إنها رحلة عبر الأزمنة والأمكنة، بين دمشق وبصرى الشام وعمّان والكويت، رحلة بين الجدران الملونة، صفحات الكتب، وأصداء الألحان. إنها دعوة للغوص في عالم فنان شمل كل ألوان الإبداع، وحوّلها إلى نغمة واحدة: نغمة الإنسانية والجمال والحب للفن والحياة.
عبر هذه السيرة، سنكتشف أبًا، فنانًا، باحثًا، ومعلمًا، وحالمًا، كل جانب من جوانب شخصيته يمثل فصلًا مستقلًا من اللوحة الكبرى التي هي حياته. سنتجول مع عماد المقداد في محطات إبداعه، نعيش تفاصيله العائلية، نحتفل بتكريماته، نسمع صدى موسيقاه، ونشعر بلمسات الألوان التي تركها على كل مكان حلّ فيه.
في صفحات هذا الكتاب، لن تجد مجرد أحداث وسنوات، بل عالمًا كاملًا، لوحة متكاملة، قصيدة مطولة، سيمفونية إنسانية، تصرخ بكل تفاصيلها: هنا الإنسان والفنان، هنا عماد المقداد، الذي جعل من حياته فنًا، ومن فنه حياة.
الفصل الأول: الجذور… حين يلتقي الدمشقي بالحوراني
في دمشق العتيقة، حيث الأزقة تضجّ بالحياة، والمآذن تحرس التاريخ، وُلد عام 1970 في حي باب سريجة، الحيّ الذي كان شاهدًا على علماء وفقهاء وفنانين عبر القرون. هناك، كان جده إمامًا وعالمًا من تلاميذ الشيخ بدر الدين الحسني، فكان بيت العائلة منارة للعلم والدين والثقافة.
بين جدران هذا الحي الدمشقي العريق، تفتحت عينا عماد على عالم يفيض بالحكايات، ورأت مخيلته الألوان في تفاصيل الحياة اليومية: في حجارة البيوت القديمة، في أصوات الباعة، وفي أنفاس المآذن. كان الطفل يشعر أن المدينة نفسها تنقش ملامحها في قلبه، وكأنها لوحة كبرى لا تنتهي تفاصيلها.
لكن الجذور لم تقف عند دمشق وحدها؛ ففي سنوات دراسته الإعدادية، انتقل عماد إلى بصرى الشام، مدينة الحضارات والرومانيات العريقة. هناك عاش فترة قصيرة لكنها تركت أثرًا عميقًا: بين المدرجات الحجرية والآثار التي تحكي قصص آلاف السنين، تعلم أن الفن ليس مجرد لون على ورق، بل هو ذاكرة أمة كاملة.
الجمع بين دمشق وبصرى شكّل نواة شخصيته: عمق فكري وروحي من العاصمة، وصلابة وجذور حضارية من الجنوب. منذ تلك البدايات، كان واضحًا أن هذا الطفل سيكبر ليصبح أكثر من مجرد فنان… سيصبح الفنان الشامل، الذي يحمل بداخله مزيجًا من التاريخ، الروح، والحلم.
الفصل الثاني: من الهندسة إلى الإبداع – رحلة البحث عن الذات
عام 1993، تخرّج من جامعة دمشق مهندسًا في قسم الإلكترون. كان يمكن أن يسلك طريقًا تقليديًا، لكنه اختار أن يسلك طريق الإبداع بلا حدود. الهندسة علّمته الدقة، لكن الفن علّمه الحرية.
منذ ذلك الحين، بدأ يرسم جداريات تعليمية في المدارس، ويكتب للأطفال، ويحوّل كل جدار وكل صفحة إلى نافذة للخيال. كل عمل، صغيرًا كان أم كبيرًا، كان ينسج فيه عالمه الخاص، عالم يجمع بين العقل والخيال، بين الواقع والرحلة الداخلية للفن.
الفصل الثالث: لقب "الفنان الشامل" – سيمفونية المواهب
أصدقاؤه لم يطلقوا عليه هذا اللقب عبثًا.
فهو:
رسام يحوّل الحلم إلى ألوان نابضة.
شاعر يجعل الحروف تتنفس.
موسيقي ينسج الألحان من ضوء وعاطفة.
باحث ومعلم يؤسس نظريات في الإبداع تُستشهد بها الأجيال.
كل جانب من شخصيته يشكل نغمة في سيمفونية متكاملة، تجعل من حياته تجربة إبداعية فريدة، لا يعرفها إلا من عاشها أو تأملها.
الفصل الرابع: مؤلفات… بين الطفل والوطن واللغة البصرية
تجاوزت مؤلفاته العشرين، وامتدت لتشمل:
الشعر الوطني: نغيمات الرحيل، ابن الشتاء، ومخطوط ديوان من شرفة قاسيون.
أدب الأطفال: سلسلة يوميات نانا في ستة أجزاء، وكتب عن القيم والسلوكيات.
النقد الفني: اللغة البصرية، ملامح النسيج التشكيلي.
نظرية الأعمدة الستة، التي أصبحت مرجعًا للإبداع في الساحة العربية.
كل عمل يمثل نافذة على عالمه، على فلسفته في الحياة، وعلى رؤيته للفن كجزء لا يتجزأ من الوجود.
الفصل الخامس: التكريم والشهرة – من المعارض إلى الشاشات
لم يقتصر حضوره على الورق واللوحة، بل خرج إلى الساحة:
كرّمته وزارة الثقافة الأردنية، ونال أوسكار جمعية نجم الفن التشكيلية العربية الدولية (2022).
ظهرت أعماله على أغلفة كتب مهمة، وشارك في معارض دولية.
ظهر في لقاءات تلفزيونية عبر قنوات عربية ودولية، ليحكي عن فلسفة الفن والإبداع، ويكون صوتًا ملهمًا لكل من يبحث عن الطريق بين الفكر والخيال.
الفصل السادس: الموسيقى والروح – الفن بلا حدود
عماد المقداد لم يكتفِ بالرسم والكلمة، بل خاض عالم الموسيقى والهندسة الصوتية، فقدم أوبريتات وأناشيد وطنية للأطفال، وحوّل كل تجربة موسيقية إلى لوحة صوتية تنبض بالعاطفة والحلم.
كما خاض تجربة فريدة في تحويل الأحداث الإسكاتولوجية (علم الآخرة) إلى لوحات تشكيلية، ليصنع فنًا تحليليًا جديدًا يمزج بين الغيب والوجود، بين الفكر والمشاعر.
الفصل السابع: العائلة… اللوحة الحية للأمل والدفء
في قلب عمّان، بين شوارعها الصاخبة وأزقتها الهادئة، يعيش عماد المقداد مع أسرته الصغيرة، لكنه هنا أكثر من مجرد ربّ أسرة؛ فهو قائد سفينة الحياة، الذي يوجّه دفّة الأيام بحكمة وحب. البيت عنده ليس مجرد جدران، بل معرض حيّ للحنان والإبداع، حيث كل فرد من أفراد الأسرة يشكّل لونًا خاصًا في لوحة الحياة.
همام: الأبناء كامتداد للحلم
ابنه البكر همام هو ثمرة الطموح والعلم، يتابع دراساته العليا في جامعة دمشق، يسير على خطى أبيه في حب المعرفة، لكنه يضيف لمساته الخاصة في البحث والتفكير المستقل. العلاقة بين الأب وابنه ليست علاقة سلطة، بل حوار دائم، تبادل أفكار، ونقاشات عميقة عن الحياة والإبداع والفن.
البنات: ألوان الإبداع تتجسد في كل واحدة
ابناته الثلاث يمثلن تجسيدًا حيًّا لألوان الفن والحياة:
الكبرى، تخرجت جرافيك ديزاين في كلية الخوارزمي، عمّان، تحمل شغف التصميم والألوان من أبيها، وتترجم رؤيته الفنية إلى أعمال رقمية نابضة بالحياة وتعمل معه في تحريك الكارتون .
الابنة الوسطى، تدرس الأدب العربي، وقد ورثت موهبة أبيها في الكتابة والشعر، فهي تقرأ العالم بعمق، وتعيد صياغة الأحاسيس بلغة عاطفية راقية.
الصغرى، لا تزال في الثانوية، لكنها تشعر بروح الفن والإبداع منذ صغرها، تراقب كل حركة في البيت، وتتعلم أن الحياة لوحة كبيرة تحتاج إلى ألوانها الخاصة.
البيت: مسرح الذكريات والأحلام
في هذا البيت، لا توجد روتينية؛ بل كل يوم هو فصل جديد في قصة عائلية مليئة بالحياة. المطبخ مليء برائحة القهوة، بينما تلتف أصوات الموسيقى والأناشيد حول الحوائط، فتملأ البيت طاقة إيجابية. ضحكات الأطفال تتشابك مع نقاشات الكبار حول الفن والعلوم، والجداريات الصغيرة التي زين بها المنزل تذكّر الجميع أن الحياة نفسها لوحة يمكن تشكيلها بالحب والإبداع.
رحلة العودة: الحنين والارتباط بالوطن
رغم كل هذا الحضور الدافئ في عمان، هناك دائمًا نغمة الحنين لدمشق. البيت ليس فقط مكانًا للحياة اليومية، بل جسرًا يربط بين الحاضر والماضي، بين عمّان ودمشق، بين الذكريات والأحلام. الأب والأبناء يعيشون هذه العلاقة بانسجام، ويخططون معًا للعودة إلى المنزل الأم، حيث بدأت الحكاية، ليصبح كل يوم هناك فرصة جديدة لزرع الجمال والفن والأسس التي علمهم إياها عماد.
هكذا، تتحوّل الأسرة عند عماد المقداد إلى لوحة حيّة، مليئة بالألوان، المشاعر، والإبداع. كل فرد فيها ليس مجرد شخص، بل رمز، وكل لحظة تشهدها الأسرة هي مقطع فني ينبض بالحب، التعلم، والإنجاز. إنها عائلة تتنفس الفن، وتعيش الإبداع، وتزرع الأمل في كل ركن من أركان حياتها.
الخاتمة: عماد المقداد… حين يتحول الإنسان إلى أيقونة إبداعية
ليست حياة عماد المقداد مجرد مسار زمني يبدأ بميلاد وينتهي بسنوات، بل هي قصيدة طويلة مكتوبة بالحبر واللون والنغمة والروح. حين نتأمل مسيرته، نجد أنفسنا أمام لوحة فسيفسائية متكاملة: كل حجر فيها هو تجربة، وكل لون هو عاطفة، وكل تفصيلة هي درس في معنى أن يكون الإنسان رسولًا للجمال وسط عالم مزدحم بالضجيج.
لقد حمل عماد في قلبه دمشق برائحة ياسمينها وصوت مآذنها، واحتضن في ذاكرته بصرى الشام بأعمدتها وآثارها العريقة، وعاش في عمّان والكويت والأردن كفنان لا يعرف حدود الجغرافيا. ومع كل خطوة، ترك أثرًا لا يمحى: على جدار مدرسة، في كتاب طفل، في نغمة وطنية، أو في محاضرة ألهمت جيلًا جديدًا من المبدعين.
لم يكن مجرد رسام أو شاعر أو موسيقي، بل كان مزيجًا نادرًا من العالِم والحالم والمعلم والطفل. نظرية "الأعمدة الستة" التي وضعها لم تكن ورقًا جامدًا في مكتبة وطنية، بل كانت دعوة مفتوحة لكل إنسان ليكتشف أعمدته الداخلية، ألوانه المخفية، وصوته الخاص.
وعلى مستوى الأسرة، لم يكن عماد المقداد فنانًا فقط، بل كان أبًا يرسم بالحب، ويكتب بالحنان، ويغني بالأمل. جعل من بيته لوحة عائلية نابضة، حيث الابن همام، والبنات بثلاثة مسارات متلألئة بين التصميم والأدب والدراسة، يشكلون جميعًا امتدادًا لهذه الشجرة التي جذورها في دمشق وفروعها في فضاء العالم.
إنّ مسيرة عماد المقداد تعلمنا أن الفن ليس ترفًا ولا مهنة، بل هو أسلوب حياة، وأن الإبداع ليس هبة فردية، بل رسالة للإنسانية جمعاء. فمن خلاله، تتصالح الروح مع نفسها، ويتصالح الإنسان مع وجوده.
وهكذا، يظل عماد المقداد سيمفونية حيّة، لا تتوقف عند حدّ، بل تمتد مع كل قارئ وطفل ومشاهد ومستمع، لتقول:
إن الإنسان حين يؤمن بجماله الداخلي، يستطيع أن يحوّل العالم كله إلى لوحة أبدية.
عماد المقداد ليس فقط الفنان الشامل… بل هو الحياة حين تُترجم بلغة الإبداع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم :
الدكتور والأديب الناقد
أبو اسامة مفلح الشحادة

تعليقات
إرسال تعليق