قراءة انطباعية بصرية في تصميم العملة السورية الجديدة .. بقلم / عماد المقداد


ـ حين يصبح المصرف المركزي مرسماً :
لا يمكن أن يمر هذا المهرجان البصري دون أن أدلي بدلوي فيما أراه من صلب ثقافتي اللونية والبصرية  ..
فقد  تعلمتُ أن الجمال الحقيقي لا يحتاج لترجمة .. و هو الذي يلمس قلب الإنسان البسيط قبل أن يحلله الناقد .. 

فحين وقعت عيناي على هذه الأوراق النقدية الجديدة .. لم أرَ فيها مجرد وسيلة للشراء والبيع .. بل "رسائل حب" ملونة تخرج من جيوبنا لتقول للعالم :



إن سوريا رغم التعب .. لا تزال تنجب الفن والحياة .. فهي ليست مجرد أرقام .. بل هي معرض تشكيلي متجول .. يطوف في الأسواق والشوارع .. ليعيد صياغة علاقتنا بالمقدس اليومي من زيتون وقمح وورد .. 

ومن وحي هذه الخبرة الطويلة والعين التي أدمنت ملاحقة الضوء ..أضع بين أيديكم ملاحظاتي التي استوقفتني في هذا المنجز الحضاري الثقافي :


​١- شدّني بداية ذلك النفس "السوري الأصيل" في اختيار الرموز .. فالابتعاد عن الرموز الصامتة والذهاب نحو الأرض هو اعتراف بأن قوتنا الحقيقية في ترابنا .. فسوريا في النهاية بلد زراعي لا ينبغي ان تفقد مكانتها .. وجميل ان يصبح هناك سلة خضار في جيوبنا.



٢- اللون في هذه الأوراق هو استحضار لمواسمنا الغنية   فلا أحد في كل سوريا يستغني عن طبق الزيتون المحلي والمستحضر ربما من شجرة المنزل في فطورنا وعشائنا ..


وكذلك القمح والخبز .. والليمون ..
شخصيا تعودت أن أتناول نصف ليمونة أبدأ بها يومي قبل الفطور .. وهو "ريستارت" ما بعد النوم ..


٣- استوقفني ذكاء المصمم في توزيع المساحات .. وأكثر ما كنت أعتني به في دروس طلبتي هو دراسة الفراغ وأهميته فهناك "نَفَس" في الورقة.. فراغ مريح للعين يجعل الرمز (سواء كان غزالاً أو حصاناً) يتنفس داخل الكادر ..


٤- الخطوط المنحنية في الخلفيات تذكرني بتموجات جبالنا وسواحلنا .. وتشبه لوحاتنا التشكيلية .. وهي تكسر حدة الورقة النقدية الجامدة لتجعلها تبدو كقطعة قماش حريرية ..




٥- اختيار "القطن" لفئة المئة ليرة هو تحية فنية لواحد من أركان هويتنا الاقتصادية والجمالية .. وقد رُسم برهافة تجعلك تشعر بملمسه الناعم ..


٦- نلاحظ أن المصمم تعامل مع "الزيتون" ليس كشجرة .. بل كأيقونة مقدسة .. وضعها في قلب العملة وأعطاها حجم جميل لتعطي شعوراً بالطمأنينة والبركة.. وجعلها متدلية عامرة بالخيرات ..


٧- هناك تدرج لوني "موسيقي" وهارموني بين الفئات .. فمن ينظر للعملات مجتمعة يشعر وكأنه يتسمع لمعزوفة بصرية .. تبدأ هادئة وتنتهي بصخب الألوان الحية .. 

شخصيا وربما يلاحظ البعض من يعرف لوحاتي وجدارياتي أن ألوان العملة الفاقعة نوعا ما او لنقول الزاهية .. هي ألوان لوحاتي ذاتها التي استعملها في المدارس .. فسعدت لهذه المصادفة التي تشعرني بالانتماء لهذه اللوحة الجميلة ..


٨- أعجبني إحياء الرموز الحيوانية كالخيل والغزال بأسلوب يجمع بين القوة والرقة .. وهي رموز تمنح العملة روحاً حركية بدل السكون .. وتدلل على سوريا القوية والرحيمة بٱن واحد ..


٩- الزخارف الهندسية والأشكال الثمانية لم تكن مقحمة .. لكنها نبتت من جوانب الورقة وكأنها تطريز دمشقي يدوي غاية في الدقة .. تذكرنا بعراقة التصميمات في مساجدنا وكتبنا القديمة ..


١٠- توزيع الأرقام والكلمات جاء بخطوط واضحة تحترم بساطة الناس .. دون تعقيدات بصرية تشتت الانتباه عن جمال اللوحة الأساسية ..


١١- الوردة الجورية في فئة العشر ليرات أراها "عطر سوريا" الذي سيظل يفوح مهما تغيرت الظروف ..
شخصيا تذكرني بمنزل والدتي وفترة صباي ..




١٢- وأخيراً.. 
أرى أن المصمم المبدع نجح في جعل العملة السورية "أنثى" في جمالها .. 
و"أرضاً" في انتمائها .. و"فـنّــاً" في تفاصيلها ..


و​ختام قراءتي في "الحديقة المالية" السورية : 


 لا بد من الإشادة بالتقنية العالية التي امتلكها المصمم .. فخبرته لم تكن في برامج التصميم فحسب .. بل في قدرته على اختزال حضارة عمرها آلاف السنين في مستطيل صغير ..


 اختيار الفواكه والخضار والرموز الطبيعية هو ذكاء فطري .. ففي وقت الأزمات المجتمعية والحالة المادية الصعبة يحتاج الناس إلى ما يذكرهم بأن الأرض لا تزال تعطي .. وأن الجمال هو السلعة الوحيدة التي لا ولن تخسر قيمتها ..


وأخيرا ..
من ريشة الفنان إلى كف البائع :


أتخيل طرافة شعبنا في التعامل مع هذه العملة :
​ولأن "بطوننا" تحب هذه الرموز .. ستصبح صيغة المنادى على سبيل المثال : 


"أعطني غصنين زيتون وحبتين ليمون" .. وشوية توت شامي لذيذ ..


أو ربما يسأل الزوج زوجته قبل الخروج:
 "هل معكِ قليل من الفواكه لندفع فاتورة الكهرباء؟!".


 لقد أصبحت العملة "سلة خضار" في جيوبنا ..

 وهذه أجمل طريقة محببة لنحمل بها وطننا معنا أينما ذهبنا .


ـــــ
كتبه : عماد المقداد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

غزة… حين تنهض اللغة من رمادهاقراءة في قصيدة الشاعر عماد المقداد/ قلم د. مفلح شحادة

قراءة في ( قصيدة حمير السياسة) للأديب الفنان عماد المقداد بقلم/ د. مفلح شحادة

((الرؤية المستقبلية)) رحلة في فكر الباحث أبو عبدالله المقدادي - بقلم الناقد / محمد الحراكي