( عماد المقداد) الفنان الشامي .. و(خوسيه دي غويا ) الفنان الإسباني – أدب مقارن - بقلم الناقد : محمد الحراكي





 انطلقت الثقافة منذ البدء لدى الإنسان من التساؤل حول مايهدد البقاء وتأمين الحاجات وتأتي في المقدمة الطبيعة والقوى الطبيعية فثقافتنا انبثقت أولا من علاقتنا مع الطبيعة إذاً فثقافة الإنسان شيء نابع من حياته ومتطلباتها توثر بدورها على حياتنا وعلاقاتنا فحاجات الإنسان في الأصل حيوانية محورها البقاء بشقيه في الحفاظ على حياة الفرد الإنساني بالتغذية بما فيها الماء والهواء واستمرار النوع البشري بطريقة الجنس . 

ثمة نقص دائم يخلق قلقا لنفوسنا تحركه أحاسيس مختلفة وتنطلق من إرضاء حاجات الإنسان المادية - الغاية الأساسية للنشاط البشري - والتي تقودنا للرفاهية بينما يرضي العمل الثقافي حاجات ثانوية، وبالتالي هو غاية فرعية فإن العمل الثقافي يجب أن يتجه قبل أي شيء إلى مساعدة الناس لامتلاك الواقع المادي وفي المقام الأول العمل على تكوين الوعي والحس الانساني والطبقي الذي يحرر طاقات الجماهير ويدفعها لخلق الحياة السعيده التي يحلم بها وينشدها . وعلى هذا فلا قيمة للثقافة بذاتها اذا لم تخدم الحياة .. 

لذا فالفائدة التي تقدمها بديل موقت ممهدا للفائدة الملموسة والمتعة التي تمنحها إشارة إلى متع الحياة وليس تعويضا أزليا فالمثقفون الذين يعيشون في عالم الأفكار والصور بعيدين عن عالم الواقع تحل لديهم المنفعة والمتعة الثقافيتين إلى حد بعيد محل منافع ولذائذ الحياة ويعتبرون ذلك هو الطبيعي . والحقيقة هي أن المثقفين هم الذين يقفون من الحياة موقفا غير طبيعي ذلك أن الاقتصار على العمل الذهني بالأصل ليس من طبيعة الإنسان وكل تقدم لا يكون عاماً ويجرف معه أغلب الشعب هو تطور سطحي من زاوية نظر تاريخية . 




فالتقدم يجب أن يكون شاملاً كي يكون راسخاً ويتجسد حضارة وألا يبقى شواذاً لا يفي من الواقع شيء فمهما كانت درجة المثقفون على مستوى عال من الثقافة ومهما تكن فئة من الشعب في مستوى حضاري متقدم فإنها ستضطر بعد زمن إلى العودة أو الانجرار إلى الوراء مالم تتمكن الفئات الشعبية الأخرى من اللحاق بها ولابد أن يكون الاتجاه الثقافي مطابقاً إلى حد ما مع واقع الشعب وطموحاته وبالتالي ينتظر أن يكون هناك هناك تجاوب بشكل ما مع أعماله الثقافية من قبل الشعب أو الفئات الأكثر وعيا على الأقل إذا قدر لهم الاطلاع على هذه الأعمال. 

فإذا كان الشكل يتبع الموضوع والأفكار مستنبطا منها أو مفصلاً عليها فإن الشعب سوف يٱلف الاشكال الجدية وإن كان من قبل قد ألف اشكالاً أخرى وهذا مايراه ( بروتلت برشيت ) عندما يقول يفهم الشعب أساليب التعبير الجريئة ويقبل الاتجاهات الجديدة ويتغلب على الصعوبات الشكلية إذا ماعبرت عن مصالحه ويقول برشيت في مكان اخر أن الفنانين الواقعيين المستوى التعليمي والانتماء الطبقي . 

   لنأخذ أعمال الرسام الفنان التشكيلي ونستعرض بعضاً من لوحاته الأخيرة في أيامنا هذه فقد نشأ في أسرة ميسورة الحال ،وظروف معيشية لها علاقة بالغربة والابتعاد عن المنبت الأصلي ، بدأ إبداعاته الفنية برسومات تتناول حياة الناس من حوله ويعبر عن الأحداث التي عايشها ويعايشها ومثال ذلك الربيع العربي الذي فاجأ الشعوب بخريف تساقطت أجمل أوراقه ولم تعد تمد الأغصان بحاجتها من الضياء وجفاف الماء فقد عبر في لوحته الأخيره عن تلك الوجوه التي خلت من جمال الضمير والإنسانية وراحت تعيث فساداً وإفساداً وتخريباً ودماراً، ومارست حصاراً وتجفيفاً لموارد الحياة التي عبر عنها الفنان التشكيلي بألوان وملامح . 




وبالمقارنه مع الرسام الإسباني (( فرانسسيكو خوسيه دي غويا)) الذي بدأ إبداعه الفني أيضاً برسومات تحاكي بساطة الناس بصورة عاطفية أول الأمر ولغة فنية تقليدية وقد كانت البداية الحقيقية لخوسيه بتقديمة تصاميم لمعمل السجاد بينما كانت البداية الفنية لعماد بتقديمه اللوحات الجدارية في رياض الأطفال في مدينة الكويت وكان العمل للطفل يحتاج للموهبة والفكر وكان الفنان عماد جديراً بذلك حين انطلق في المواضيع الاجتماعية ثم السياسية في الكاريكتير أثناء انطلاق الربيع العربي في أجمل التعابير المثيرة للشجون وبما رافق الشعوب من ظلم وأسى وقد أثنى عليه الكثير من النقاد وقرأت لوحاته وانتشرت من القدس . 

الآن شملت الكثير من البلاد العربية محققاً المقصد في تصويره لمشاهد من حياة الشعوب وقد امتدت مرحلة عماد الفنية من الكويت إلى سوريا إلى الأردن الذي وجد فيها ضالته من حرية التعبير . 

وإن كان المقداد قد بدأت صراعاته مع اندلاع الربيع العربي ونهوض ثورة الشعب السوري المدافع عن كرامته وعن الإنسانية التي لايمكن لها من تحمل الجرأة على الإبادات والمجازر التي ارتكبها النظام في سوريا وصراعاته ضد الأفكار المتطرفة التي استغلها الكثير ممن صاحبوا الشياطين والقتلة وأصابوا الهدف . 

لوحة الظل الأبيض


فعبّر بتلك الوجوه القبيحه المكفهرة عن القتلة في لوحة الظل الأبيض ..

ولا زال - عماد الرسام -  يعشق ريشته ويرتقي بها كجناح طير يعلو بها حتى تمكن اليوم من كسب الجماهير المتذوقة لهذا الفن التعبيري التشكيلي الذي أرخى سدوله على أعين الظلام والقتله ويبيح بجماله لمحبي الجمال واصحاب الانسانية التي يحلمون بغد مشرق جميل . 


بقلم الروائي الناقد / محمد الحراكي
 ابن العابدين 
نائب مدير مؤسسة عرار للدراسات والنقد المقارن
ومدير تحرير مجلة نورك الثقافية



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

غزة… حين تنهض اللغة من رمادهاقراءة في قصيدة الشاعر عماد المقداد/ قلم د. مفلح شحادة

قراءة في ( قصيدة حمير السياسة) للأديب الفنان عماد المقداد بقلم/ د. مفلح شحادة

((الرؤية المستقبلية)) رحلة في فكر الباحث أبو عبدالله المقدادي - بقلم الناقد / محمد الحراكي