قراءة في قصيدة / سَكَنَتْ جُروحُكَ يا عَربْ / للأديب والفنان عماد المقداد



ما لم يسكن.. قراءة في قصيدة "سَكَنَتْ جُروحُكَ يا عَربْ" – للشاعر عماد المقداد

(للقارئ الذي لا يكتفي بالسطح، بل يقرأ الشعر وكأنّه يحفر في عظام الزمن)

في اللحظة التي نقرأ فيها:

"واللهِ ما سَكَنَتْ جُروحُـكَ يا عَـــــرَبْ!"

نُدرك أننا لا نقرأ شعرًا بالمعنى المألوف... بل نسمع قسمًا وجوديًا من شاعرٍ يكتب من قعر النزيف العربي، لا من برجٍ عالٍ. إنها قصيدة تنبض كما ينبض الجرح: بلا استئذان، بلا مخدر، وبلا وعدٍ بالشفاء.

قصيدة أم مانفيستو غضب؟

هذه القصيدة ليست من جنس الرثاء الكلاسيكي، بل من شعر التمرد الصافي.

قصيدة عماد المقداد هنا ليست عزفًا منفردًا، بل أوركسترا وجعٍ جمعي، حيث كل بيتٍ فيها يشبه بندقية ثقافية تطلق رصاصًا ضد الخذلان، ضد الصمت، ضد من يحترفون الخنوع كأنّه عقيدة.

في عمق البيت الأول:

"ما دامت فينا مستغيثٌ من كربْ"

ليست "المستغيث" مفردة عابرة، بل اختزالٌ رهيب للإنسان العربي الذي فقد أدوات الدفاع، ولم يبقَ له سوى الصوت والصوت وحده. وهنا تكمن الكارثة: أن يكون الصوت بلا صدى، والاستغاثة بلا نجدة.

جمالية الكارثة في "عز الظهيرة"

"وديارُنا عزّ الظّهيرة تُغتَصَب"

الغضب الحقيقي لا يأتي من وقوع الجريمة، بل من زمن وقوعها.

الاغتصاب في عزّ النهار؟

هذه ليست صورة شعرية فقط، بل صفعة أخلاقية لحضارة تتبجح بالإنسانية بينما تمارس العمى الانتقائي. الشاعر لا يصف الحدث، بل يشهره كفضيحة أخلاقية على قارعة الضوء.

عن الكفّ المرتفعة لا للنصر، بل للتضرع

"لكن رفعنا الكفّ يشهدنا العطب"

في هذا السطر، تختلط الجغرافيا بالدين بالتاريخ:

إنه الإيمان الأعزل، حين يصبح الكفّ رمزًا لا للكرامة، بل للعجز.

الكفّ هنا مرفوعة، نعم...

لكن إلى من؟

إلى ربٍّ يسمع، بينما أولياؤه في الأرض عمّوا وصمّوا وباعوا.

"الظالم يحمل سوط العدالة!"

"من كان ظالمنا غدا في كفّهم

سوط العقاب، وهكذا العدل انتصب"

مفارقة مرعبة، تليق بعصر الارتباك الأخلاقي.

إنها صورة لنظام كوني مختلّ: الجلاد قاضٍ، والسوط قانون.

وكأننا أمام انعكاس مشوّه للعدالة:

لا ميزان، بل سوط.

لا حكمة، بل شهوة قمع.

سؤال الليل: أين يذهب الدعاء؟

"فاسأل دموع الأم في ليل الدجى

أين الدعاء إذا تسلل وانسكب؟"

ما هذا؟ دعاءٌ يتسلل؟!

نحن لا نعرف الليل الذي يبكي، إلا إذا كانت الأم هي الأرض، والدعاء ليس لطلب الرحمة بل للاحتجاج.

الشاعر لا يريد إجابة، بل يزرع فينا السؤال كشوكة ضمير.

"صرخة" تفصل الأرض عن السماء

"ما بيننا والربّ إلا صرخة

تشكو الظلام فتستجيش له الشهب"

بيتٌ لا يُقرأ، بل يُرتّل.

صرختنا، كأنها بوصلة الإله، توقظ السماء، تستنفرها، تُسقِط لها شهبًا، لا على "الآخر"، بل على الظلم ذاته أينما وُجد، حتى لو كان في داخلنا.

الفارس الحقيقي والفرس المزيف

"كذبت ظنون الناس إلا قوله

بل فارسٌ تُفنى ولا فُرسٌ تُجبْ"

ها هنا نقد للسرديات الجوفاء، حيث ظن الناس أن النصر يُصنع بالعدة والعتاد، بالفرس لا بالفارس، بالجسد لا بالروح.

لكن المقداد ينقلب على تلك الخرافة، ويصرخ:

بل تفنى الأجساد، ويبقى الإيمان هو السلاح.

الكرامة نائمة؟ أم تتربص؟

"هذي الكرامة لا تنام وإن غفت

في الغيب تحضر ثم يحتدم الغضب"

بيتٌ يلخّص فلسفة الثورة المؤجلة.

الكرامة ليست ميتة... بل تتربص.

هي كماردٍ يسكن الغيب، يكتفي بالغياب، إلى أن يُستفزّ بصراخ الحق.

خاتمة القصيدة: الدعاء يتحوّل إلى وعد رهيب

"سبحان المنتقم... إذا انتقم أدهش!!!"

بهذا السطر، لا يختم الشاعر قصيدته، بل يفتح جرحًا إلهيًا.

إنه لا يدعو إلى الانتقام بيد الإنسان، بل يُسلّم الأمر لعدل السماء، لكنه يُحذّر:

حين يُمهل الله، لا يعني أنه يغفل...

وحين ينتقم، لا يترك مجالاً للشك: إنه الانتقام المدهش، الرباني، الساحق للباطل مهما استعصى.

في الختام:

قصيدة "سَكَنَتْ جُروحُكَ يا عَربْ" ليست عملًا شعريًا فقط.

إنها نصٌّ نبويّ الغضب، إنجيليّ الحزن، وقرآنيّ الإيمان بالعدالة الآتية.

هي صرخة شاعر، لكنها تشبه الوصايا العشر لو أنزلت على قلب عربي متعب.

دكتور مفلح شحادة شحادة كاتب وشاعر وناقد المانيا


Aboosama Chihadeh


 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

غزة… حين تنهض اللغة من رمادهاقراءة في قصيدة الشاعر عماد المقداد/ قلم د. مفلح شحادة

قراءة في ( قصيدة حمير السياسة) للأديب الفنان عماد المقداد بقلم/ د. مفلح شحادة

((الرؤية المستقبلية)) رحلة في فكر الباحث أبو عبدالله المقدادي - بقلم الناقد / محمد الحراكي