أضواء على قصيدة في وصف الحال وجواب سؤال للشاعر محمود عبدالله أبو عياش - بقلم /نصرالله عويمرات




 ( يدرك من يبحر في قصائد محمود ابو عياش أنه أمام شاعر ثائر على كل أشكال الغباء والاستغباء وعلى كل أشكال الخنوع الفردي والجمعوي والذي أصاب الأمة على فترات مخطط لها ويدرك القارئ كذلك أن حجم الغضب في كلماته ما هو إلا وجع ممزوج برفض هذا الواقع ومستهجنا الذاكرة الضعيفة لدى الشعوب ..

ففي قصيدته في وصف الحال على سبيل المثال يبتدئ القصيدة بكلمة ذات مدلول عميق في التاريخ العربي وهي :
 ( نخّاس ) ..
في قوله نخاس الأهل غدو شللا باغية مدمنة قمع الناس والنخاسة كما وردت في معجم المعاني الجامع هي حرفة النخاس وهو بائع الرقيق والدواب والموجع هنا أنها عطفت على الأهل فالنخاس للأسف منا وفينا لم يرعى في الأمة إلا ولا ذمة فهو الراعي الرسمي للفساد والمحسوبية وصناعة شلل المال والاقتصاد مبتعدا كل البعد عن العدالة والهدف الأسمى للأمم والمرتكز على النهضة الشاملة في شتى المجالات ويستطرد الشاعر واصفا كيف يمتهنون كرامة الناس حيث يقول وبهذا الوصف أراهم جمعا وفرادى وكرامتهم في قمم العهر تداس ولحاهم صبغت من دمنا نتنا ولأجل المال تباس هي قمم العهر والبيع ..

بيع المبادئ وبيع المستقبل كله هي ابر التخدير التي اشبعو الأمة بها وعود وامنيات واحلام لا تساوي الحبر التي كتبت عليه مخططات شيطانية أكلت أخضر الأمة ويابسها ولأجل ماذا كل هذا الانحدار ( ولأجل المال تباس ) هو الهدف والمبتغى ...هو مبدأهم وغايتهم بغض النظر عن كيف وفيم يصرف ..

وبغض النظر عن مستقبل الأجيال القادمة ليأتي الشاعر مفسرا لنا ما جرى ويجري بمفردة ومصطلح ربما لم يسبقه أحد عليه وهو ( إسهال المال ) هو المرض اللعين إذن هذه المرة لا يصيب الجسد بل يصيب عصب الأمة وهو الاقتصاد ومقومات النهضة مشيرا الشاعر هنا إلى قضية طالما ارقته بدأت في سبعينيات هذا القرن وهي الدين العام وحجم التبذير الذي كان وكيف أصبحت الأمة والوطن مقيدا بسلاسل المال الذي اغرقت فيه الشلة جسد الأمة واصفا في عديد قصائده كيف تنعم الناس تلك الفترة وكيف هالت عليهم امولا لم يتعبوا ولم يجهدوا أنفسهم في نيلها هي خطة إذن ..

هو الاغراق ثم ينتقل ابو عياش لوجع يمس جوهر التاريخ فالعربي أضحى ذميا أموالا للغازي كالجزية يدفع يدفعها نقدا منحنيا بخنوع يركع مشهد رأيناه بأم العين وعلى كبريات الشاشات خنوع لم يمر من قبل دفع الجزية في صورة تنطوي على امتهان للعقلية العربية الإسلامية التاريخية علنا وعلى عين التاجر وبهذا الطابور الفاجر ولكل عدو غادر يدفعها نقدا للغدر أراه صورة قاتمة مذلة لمرحلة صعبة تنطوي في مجملها على احتقار واذلال ووقاحة فالدفع تم على عين التاجر وليس كما تعودنا عليه في السابق من تحت الطاولات أصبح الوضوح في الإذلال سمة من سمات هؤلاء القوم الذين باعوا مستقبل الأمة من أجل الكرسي مليارا يسفح مليارا من أجل الكرسي وبقاء الكرسي لا شيء سواه ..

   ثم ينتقل ابو عياش بعد تعريته لتلك الشلة الفاسدة الغريبة على تاريخ ومجد عروبتنا على امتداد التاريخ الى صوت الحكمة والهدوء والنصيحة والتحذير فالشاعر وفي جل قصائده لم يفقد الأمل بل ظل مسكونا في غد أفضل رغم هول المرحلة ووجعها ورغم ألمه الشديد وغضبه وحزنه لنلحظ النداء هنا وتكراره بما يدل على قرب المنادى من القلب الساكن في حب امته وغيرته عليها أهلي أهلي ! يا أهلي من آمن بالشلة منكم يوما قطعا قد تاه هو التحذير إذن ..

هي الوصية إذن ..

هي الصرخة إذن ولعل المتعمق معي في هذه المقطوعة تحديدا يرى بما لا يدع مجالا للشك الحس التنبؤي وخبرة الرجل الذي رأى عن قرب حجم فسادهم وظلمهم ووقاحتهم حينما يورد كلمة ( يوما ) فالشاعر يدرك بل ويجزم أن الشلة لن تتوب ولن تتغير بل ستستمر في غيها وصلفها واعوجاجها مدى بعيدا لا نهاية له ...ليبرز السؤال هنا كيف عرفت هذا أيها الشاعر وكيف أدركت بحسك أنهم لن يتغيروا لنرى الجواب هنا ممتلئا بالحكمة والمنطق ر (فالشلة ظلما حكمونا ردحا ) ..

فنحن في الأصل لم نختارهم حتى نحاسبهم ولم تتم ممارسة ديمقراطية حقيقية في كل البلدان العربية وما الديمقراطية المزعومة الا لهاية ولعبة للاستهلاك المحلي فقط يكفينا قهرا وهوان يكفينا صلف العربان نعم يكفينا هذا الردح الطويل من زمن الانحدار والتردي على أيدي من ؟ ..

   هذا ما فعل الأعراب جعلوا الوطن العربي خراب كل الوطن خراب اعراب هم ولعلهم كذلك أغراب فهم الذين لا أصل لهم افسدوا الاوطان وجعلوها متخلفة جعلوها خراب وماذا فعلوا أيضا وهبوا من وطني للغرب مناب منحوهم مشكاة الزيت التحتية يحرسها همل الأعراب لا ضوء اذن يرتجى فالزيت سال سفاحا في وطني والارضية هشة أي خراب صنعوه اعراب الدولار ..

اعراب الكراسي المهترئة ولا يفقد الشاعر البوصلة حينما يشخص ويصف الحالة السياسية دون رتوش ويضع التجربة الديمقراطية في الأردن تحت المجهر وبرؤية صادقة لا غبار عليها حينما يذكر وضع الأحزاب السياسية وكيف أن ذكر كلمة حزب يعادل الكفر والمساس بالخطوط الحمراء في ذهن وعقلية الناس فأصبح الناس و يا للأسف يخشون الانتساب إليها بل ويخشون ذكرها حيث يقول هم لا بل أنتم يا ساستنا الاذناب أنتم عهرتم ذكر الأحزاب ويراها الناس لهم خوفا واذا انتسبوا ذنبا عليه عقاب هو الخوف إذن وانعدام البديل فلا بديل عن الشلة الفاسدة التي التهمت الأخضر واليابس لا أحزاب ولا ديمقراطية حقيقية ولا بديل عن ثلة ترى بعين الفساد والمصلحة الشخصية فقط ..

  ولكن من يزين كل هذا ويجعله في عيون الناس مقبولا سائغا انهم الكتاب المرتزقة ..

انظر ماذا قال فيهم :
  اغلقتم كل الأبواب ورشوتم همل الكتاب حتى يبدو الأفق بديلا عنكم مغلق ويراه اليائس منا ولنا كالقدر تحقق فالأفق له يبدو مغلق مشهد مرسوم بعناية ..

هي سلسلة من شلل تطبق خطة تدور حول فكرة واحدة ساسة وكتاب وحزبيون أدوار تنفيس وتمثيل لا أكثر وشعارهم دائما لا اريكم إلا ما أرى ولكن هل رمى شاعرنا أوراقه وراح يندب حظه ...هل رفع الراية وسط هذا المشهد الغارق في الظلام والوجع إن المتتبع لقصائد محمود ابو عياش يدرك بما لا يدع مجالا للشك أن المصباح لن يطفأ وان الأمل لن يغيب ..

  ها هو يقول بالصوت العالي مهلا مهلا ليس الأمر بشكل مطلق فالغضب الساطع آت وأنا كلي إيمان فبقاء الحال محال هي سنة الكون أيها القارئ الكريم بقاء الحال محال بالله عليك أيها الشاعر هل كنت تعلم أن قوى عظمى تترنح الآن أمام جائحة غريبة هل كنت تظن أن النسر الاصلع كما وصفته يوما في قصيدتك سوف ينتف ريشه بقاء الحال محال ..

والنصر للمقاومة والعدل انظر اليه كيف يكمل القصيدة وتأمل معي يا أهلي رغما عن كل الأشرار هذا قطعا درب الأحرار درب القوم مقاومة درب الثائر والثوار لا عزاء إذن للجبناء ..

ستدور الدائرة على كل الظلمة فالشلة علة الشلة دين ومذلة الشلة لحست مستقبلنا كله هو ديدن الكون ..

لا فساد سيبقى ولا ظالم سينتصر وينتقل الشاعر وهو يقطن على بعد وردة من الثرى المسلوب الى مشهد غاية في التناقض والعجب على أمة تجيد الكذب حتى على نفسها ينادون لفسطين في اعلامهم ليل نهار ويذكرون القدس في شعارات براقة حتى تحداهم الشاعر على رؤوس الأشهاد قائلا :

" اني أتحدى ان كانوا ابقوا يافطة حتى لو كانت مهملة في الأغوار وتشير إلى أمتنا المأسورة في الدار قدس الأحرار دار الشهداء الأبرار هل ثمة تناقض أكثر من هذا ..

لا يطلب الشاعر المستحيل هو يطلب يافطة وسهما يشير إلى الأرض السليبة فقط ليقى في الذاكرة الجمعية للأجيال القادمة والحقيقة أنهم ما ابقوا يافطة تحوي سهما حتى لو صدءا ويشير إلى الأقصى او بيت المقدس اقدس ما قدس للناس من كل الأجناس هو فعل الساسة شوهوا التاريخ وقطعوا من أمتنا عصب الاحساس وحالفوا أعداء الأمة وقمعوا الأحرار وباعوا قبلتنا الأولى بيع لجاج حقا نزيف كامل لجسد الأمة يصوره الشاعر بألم شديد وحسرة من حكام وساسة افسدوا الزرع والضرع واشاعوا الفرقة بين أعضاء الأمة حينما يقول افرغتم أهلي من أهلي بحروب عدة لم تذروا بين الأهل مودة وزربتم أهلي فيها زرب نعاج سياسة قطيع افرغت الأرض من أهلها وزبوا في حضيرة أخرى مع قطع كل صلة مع الجذور ومن الهجرة إلى الغرب هي طريق موصدة في وجه كل من يفكر بهذا الشرق وحده أمامكم والغرب موصد وهي تحكي قصة شاعرنا حينما فعل كل شيء من أجل العودة ..
  فاوصدت الطرق في وجهه وعاد حزينا وقد اطلع على الطابق كله ورأى الطبخة ومصيرها عن قرب هي تجربة حقيقية عاشها ابو عياش جسدها شعرا ووجعا مشاهد كثيرة يصورها ابو عياش في شعره لعل أبرزها تشويه التاريخ وطمس معالمه بيع أرض وتغيير معالم دينية من نهر ومغطس في لعبة دولية كبيرة مفادها ابتعدوا عن أي شيء يقربكم من الجذور ومن الأصل ومن المقدسات لعبة شارك فيها الصديق قبل العدو وراح ضحيتها شعب أعزل مقهور وينهي ابو عياش قصيدته بأنفاسه الغاضبة وهو يصب لعناته على الخونة حيث يقول لعنات الله عليكم دوما لعنات الله والشعب المنهك لاعنكم ليلا ونهارا لعنات الله بل غضب الله عليكم ان طلعت شمس الأوطان شروقا او غابت لغروب عن وطني المغصوب والشعب المغلوب .





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

غزة… حين تنهض اللغة من رمادهاقراءة في قصيدة الشاعر عماد المقداد/ قلم د. مفلح شحادة

قراءة في ( قصيدة حمير السياسة) للأديب الفنان عماد المقداد بقلم/ د. مفلح شحادة

((الرؤية المستقبلية)) رحلة في فكر الباحث أبو عبدالله المقدادي - بقلم الناقد / محمد الحراكي