رد على مقالة الدكتور فيصل القاسم هل تخلف العرب بسبب تخليهم عن الإسلام فعلا؟) بقلم الباحث / أبو عبدالله المقدادي
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين. قرأت مقالة للدكتور فيصل القاسم الإعلامي السوري المعروف، في صحيفة (القدس العربي)، بعنوان: (هل تخلف العرب بسبب تخليهم عن الإسلام فعلا؟)، وقد استنكرت ما جاء فيها أشد الاستنكار، لما فيها من مغالطات عقدية وتاريخية، يمكن أن تفتن البعض، أو تدخل إلى قلوبهم بعض الشبهات، ولما رأيت المقالة قد انتشرت على مواقع التواصل من غير رد عليها، كما قرأت تحت نفس العنوان بعض المقالات القديمة شيئا ما لكتاب يعتبرون أنفسهم تنويريون ، ولكنهم من ألد أعداء الاسلام . ففكرت في كتابة هذا الرد عليهم، أفند فيه المغالطات التي أتى بها د. فيصل في مقالته، ولا يعني هذا الاساءة إلى الدكتور فيصل شخصيا، ولا شخصنة المسألة، بل هو حق الرد بالفكر على الفكر، ومازال الناس يردون على بعضهم منذ فجر الكتابة والقراءة. ،،، لقد بدأ الدكتور فيصل مقالته بجملة تهكمية مباشِرة، تلخص بقية المقالة وتدل على حجم جهل الدكتور – غير المتوقع – بالإسلام، فقد تفاجأت – شخصيا – من أن يجهل الدكتور فيصل بعد هذا العمر والاحتكاك بالثقافة الإسلامية على الأقل، مكانة الإسلام وعظمة الإسلام، منهجا وتاريخا، ودينا كاملا تاما بكل ما فيه، لا يكافئه في الدنيا أي منهج أو طريقة أو أسلوب يمكن أن يكون صالحا للإنسانية جمعاء، في كل مكان وزمان، سياسيا واقتصاديا ودستوريا واجتماعيا وأخلاقيا وعلميا وطبيا ... الخ، في جميع جوانب ونواحي الحياة إطلاقا. ،، فكانت جملة الدكتور فيصل التهكمية، في الحقيقة هي محل تهكم واستنكار في حد ذاتها، فقد بدأ مقالته فكتب: (مازال الكثير من العرب والمسلمين حتى اليوم يعزون تخلفهم وتأخرهم عن باقي الأمم إلى تخليهم عن الإسلام)، ثم يزيد الدكتور من تهكمه أكثر فيقول مستنكرا: (ومن المقولات التي انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة مقولة إن العرب قبل الإسلام كانوا قبائل متفرقة ترعى الغنم، فجاء الإسلام فجعلهم أمة واحدة ترعى الأمم). ،، وهذه الجملة فيها أكثر من مغالطة ولكني سأختصرها بنقطتين: الأولى: أن هذا المقولة: "بأن الإسلام جمع تفرق قبائل العرب حتى جعلهم يرعون الأمم" ليست مقولة جديدة انتشرت على مواقع التواصل، بل هي مقولة قديمة قِدم الإسلام، ومن أشهر الآثار التي يعرفها كل قارئ، ولا أظنك تجهلها: وهي مقولة الصحابي الفاتح الجليل ربعي بن عامر حين قال لرستم قائد الفرس: "لقد ابتعثنا اللهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قَبِل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدًا حتى نفضي إلى موعود الله". ما أجملها من عبارة، وما أكملها وجمعها من عبارة تلخص عظمة الإسلام في سطرين، بل وأقول للدكتور فيصل: هل يوجد صغيرا أو كبيرا لا يحفظ المقولة الشهيرة التي تنسب إلى سيدنا عمر رضي الله عنه حين قال: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلنا الله". ،، إذن يا دكتور هي ليست مقولة في زمن مواقع التواصل الاجتماعي، بل هي عبارة ذهبية منقوشة في صخور التاريخ يعرفها العدو قبل الصديق. ،، أما النقطة الثانية من مغالطاتك في بداية مقالتك فهي قولك: "أن العرب كانوا قبائل متفرقة ترعى الغنم". يا دكتور العرب قبل الإسلام كانوا – سياسيا – قبائل متفرقة نعم، بمعنى أنهم في جزيرة العرب لم يكونوا دولة واحدة ذات حدود جغرافية محددة، ولكن: لا عرب الجزيرة كانوا يشكلون كل العرب، ولا كان "كل العرب" متفرقين في "كل التاريخ"، ولم يكون عملهم محصورا فقط بـ"رعاية الغنم". فهل من المعقول أنك لم تسمع بملوك العرب قبل الإسلام أمثال: سيف بن ذي يزن الحميري، ومالك بن النضر القرشي، وجُذيمة التنوخي، وعمرو بن عدي اللخمي، وأمرؤ القيس، وغيرهم من ملوك العرب قبل الإسلام، ممن ذاع صيتهم بين القبائل والأمم المجاورة لهم؟!. ،، وهل يعقل أنك لا تعلم أن أشهر مهنة للعرب كانت التجارة، ولا يوجد طفل إلا ويحفظ (لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف).. ؟! هذا تاريخيا، ولكن على مستوى جميع أراضي وقبائل الجزيرة العربية، ثم لحقها بلاد الرافدين وبلاد الشام، وبلاد الفرس والعجم، فدعني أرد عليك قائلا: نعم، الإسلام هو من جمعهم، وهل يجهل أحد أن الإسلام هو الوحيد الذي وحّد كل هؤلاء، من عرب وعجم، فجعل منهم أقوى دولة أطاحت بأشهر امبراطوريتين وقتها: (الفرس والروم) فرعوا به تأي بالإسلام- جميع الأمم؟!. ،، وأرد عليك فأقول: نعم، بعد أن تخلوا عن نظام الحكم الذي أمرهم به دينهم، واتبعوا سبل الأمم من حولهم فعادوا ضعافا متفرقين، وللأسف "ترعاهم الأمم". إذن يا دكتور: الدين فقط، هو الذي جمعهم عندما اتبعوه وتفرقوا عندما ابتعدوا عنه، ولا أقول تركوه، لأنهم لو تركوه لهلكوا جميعا. ،، فهي ليست مقولة مغلوطة نجترها ونعممها على جميع العرب والمسلمين كما زعمت في مقالتك، بدليل أن جميع العرب من غير المسلمين ممن عاش في حضن دولة المسلمين، من أهل الكتاب وغيرهم، لم يعرفوا في تاريخهم أعدل ولا أفضل من الإسلام، بشهادة جميع كتاب التاريخ من غير المسلمين، واقرأ إن شئت جوستاف لوبون المؤرخ الفرنسي حين قال: "لم يعرف التاريخ فاتحين أرحم من العرب ولا دينا متسامحا مثل دينهم"، ألا تعلم يا دكتور أن الأقباط والأعاجم والعرب في بلاد الشام، يساعدون المسلمين في فتح بلادهم وتحريرهم من ظلم الأكاسرة والقياصرة الذين كانوا يحكمونهم، لما سمعوا من عدل الإسلام وتسامحه وعظمته؟! ،، اسمح لي يا دكتور فأنت في مقالتك قللت من حجم ودور عظمة الدين، لا كما تزعم بأنك لم تقلل من شأنه، بل كل من يقرأ مقالتك يجزم بأنك تحاول استثمار الواقع المؤلم للمسلمين من تفرق وتمزق، لكي تبرر في مقالتك أن الدين هو سبب التخلف والتفرق، من أول جملة كتبتها في مقالتك إلى آخر كلمة، ومن غريب تناقضات مقالتك أنك بعد أن تنفي مرادك من تقليل شأن الدين في التقدم، أردفت كلامك بعدها مباشرة باعتراف صريح بأن الهدف هو توجيه أنظار الأجيال التي ترعرعت على مقولتي عمر وربعي رضي الله عنهما السابقتين، إلى أن هاتين المقولتين وما شابههما هي مفاهيم مغلوطة، فأي تناقض هذا وأي صراحة كيدية حقودة ماكرة، تلك التي تسطرها؟! ،، وبالتالي فعلينا تأكيد مقولة: الربط بين التقدم والدين، وهل ظهرت في تاريخ البشرية أي حضارة أو علم أو اختراع إلا من خلال الأنبياء والمرسلين؟! أليس أول من زرع هو آدم الذي علمه الله تعالى الأسماء كلها، أليس أول من علّم الناس الكتابة هو ادريس عليه السلام، وهو أيضا أول من علمهم الخياطة، وأول من علّم الناس النجارة هو نوح عليه السلام، وصنعة الحديد هو داود عليه السلام، وهكذا، أما عن الإسلام، فكان الأجدر بك إن كنت منصفا أن تتساءل: ماذا سرق الغرب من علوم المسلمين؟ وبهذا سأردّ على سؤالك التالي: (قلت: هل تعلم عزيزي العربي المسلم أن اليونانيين قبل النصرانية كانوا أرقى أمم الأرض وواضعي أسس الفلسفة وحاملي ألوية الآداب والمعارف ونبغ منهم من لا يزالون مصابيح البشرية في العلم والفلسفة إلى يومن هذا؟)، وأنا أقول بدوري: هل تعلم يا عزيزي دكتور فيصل أن اليونان لم يتهودوا ولم يتنصروا، بل فلسفوا اليهودية وفلسفوا النصرانية حتى أخرجوهما عن حقيقتيهما كأديان سماوية، واسأل إن شئت تمثال "زيوس" عن "رجسة الخراب" واسأله عن بلوتو إله العالم السفلي، وعن إيروس إله الجنس عند اليونان، هل هذه الحضارة اليونانية التي تتحدث عنها؟ أم عن سقراط وأرسطو؟ ألم تسمع قول أرسطو عن استاذه أفلاطون: أحب أفلاطون وأحب الحق، وأوثر الحق على أفلاطون، هل تعلم أنه قالها عندما وجد له أخطاء؟ هل من الحضارة يا عزيزي أن يعتقد الإنسان أن الكواكب مساكن الاله؟ وأن الأرض مركز النظام الفلكي؟ وهل تعلم أن ابن النفيس العالم المسلم هو من صحح ما جاء به الطبيب اليوناني غالينوس الذي قال بأن الدم يتولد في الكبد ويندفع بعد ذلك إلى القلب الذي يضخّه إلى الشرايين وسائر أنحاء الجسم؟ وعلى فكرة يا دكتور: هل تعلم أن ابن فرناس لم يمت في محاولته للطيران، بل ظل هو الطبيب الخاص لحكام الأندلس؟ وهل تعلم أن أول تجربة طيران للأخوين "رايت" يعود الفضل بها إلى ابن فرناس؟ وأن رسومات ليوناردو دافنشي مقتبسة من أفكار ابن فرناس؟ لذا أطلقت وكالة ناسا اسم ابن فرناس فوهة موجودة على سطح القمر، أسمتها وكالة ناسا ابن فرناس تكريماً للكون أفكاره هي التي مهدت الطريق للسفر إلى سطح القمر؟ ،، يا دكتور أنت تحدثت عن كتاب شكيب أرسلان "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم" ولكنك لو أردت الإنصاف لذكرت أيضا كتاب المستشرقة الألمانية زيجريد هونكة: (شمس العرب تسطع على الغرب) التي قالت: "إن كل مستشفى وكل مركز علمي في أيامنا هذه إنما هو في حقيقة الأمر نُصب تذكاري للعبقرية العربية، وقد بقي الطب الغربي قروناً عديدة نسخة ممسوخة عن الطب العربي". ،، يا دكتور من اكشف أن الضور يسير في خطوط مستقيمة هو المسلم الحسن ابن الهيثم وليس أنشتاين، وابحث عن تجربة القُمرة المعتمة، وتجربة الحجرة المعتمة التي مهدت لاختراع الكاميرات التي تصورك على قناة الجزيرة، وعلى فكرة: هل تعلم يا عزيزي أن ابن الهيثم هو من صحح الفكرة الإغريقية القائلة بأننا نرى الأشكال من خلال الضوء المنبعث من أعيننا إلى الخارج، وأن النصراني نيكولاس كوبرنيكوس هو الذي صحح خطأ أرسطو بأن الشمس هي مركز الكون، وليس الأرض كما زعم أرسطو، ومع ذلك فإن السبق في ذلك يعود إلى عالم الفلك نصير الدين الطوسي في مزدوجته المعروفة ب (مزدوجة الطوسي)، والتي تسربت إلى الفاتيكان بعد سقوط القسطنطينية عام 1453م.،، ماذا أحكي لك يا دكتور ولّا ماذا، نحن الموسيقي عندنا عالم فقه وحديث وعقيدة وشاعر ولغوي، وابحث في جوجل عن اسحاق الموصلي، ولا تنسى أن تبحث أيضا عن زرياب لتزداد تعجبا وحيرة، إنه يا عزيزي الذي نقل إلى أوروبا كل أنواع الفنون، بل وهو الذي علمهم كيف يعملون دورا للأزياء والأتيكيت وفرش المطاعم وقصات حلاقة الشعر الحلويات وكل ما يظنه الناس اليوم أنه من الذوق الفرنسي أو الايطالي، ما هو في الحقيقة إلا زريابي يا دكتور، فعن أي حضارة يونانية تحدثنا ونحن من صححا أخطائها وفلسفتها، وابحث عن تهافت الفلاسفة وكيف ألجمهم حجة الإسلام الغزالي رحمه الله. ،، أما عن روما والنصرانية، فأنت واهم يا دكتور، والحق ما قاله هنا الإمام عبدالجبار المعتزلي حين قال: إن روما لم تتنصر، ولكن النصرانية ترومت، وأكتفي بهذه المقولة وعليك الباقي، ولا تنسى أن أول شروط نجاح الحاكم العادل الناجح المسدد هو الصدق والأمانة بحسب دراسات أقامه بعض الدارسون في القارات الخمس، وهو ما كان لقب رسول الله النبي العربي الأمي صلى الله عليه وسلم الذي كان لقبه الصادق الأمين، وهنا أسجل أكبر استغراب عما جاء في كلامك عندا وصفت الاسكندر المقدوني بأنه أعظم فاتح عرفه التاريخ أو من أعظمهم، ونسيت أو تناسيت من هو أعظم منه بآلاف المراحل وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي قضى على أقوى امبراطوريتين في زمنه: الفرس والروم، هذا كقائد أمة، أما كقائد جيوش فلا أظن أن المقدوني يصل إلى كعب سيف الله خالد بن الوليد رضي الله عنه الذي فتح البلاد وأقام فيهما حضارات فأنشأ المدارس والمشافي ودور الفقراء، حتى حين جاء الفاروق رضي الله عنه ورأى بأن خالد لم يكن مجرد فاتحا عسكريا، بل هو من أنشأ وبنى الدور والمساجد والمرافق فقال: رحم الله أبا بكر كان أعلم منا بالرجال، إشارة إلى أن كان يرفض عزله عن قيادة الجيوش، فقال عمر: يأبى خالد إلا أن يكون قائدا، وطبعا في دائرة هذه المقارنات حول أعظم الفاتحين، فلن أقحم اسم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في هذه المقارنة، لأنه لا مقارن له ولا منافس ولا حتى قريب منه، كأعظم فاتح ومعلم ومربي وحاكم وقاضي ونبي في البشرية جمعاء، واقرأ ماذا كتب الغرب عنده حين صنفوه كأعظم شخصية في تاريخ البشرية، وهذا من خلال الكاتب: مايكل هارت صحب كتاب: "الخالدون المئة". ،، هل تعلم يا دكتور ما أول كلمة نزلت في كتاب المسلمين؟ إنها اقرأ، لقد أعتق نبينا صلى الله عليه وسلم بعض المشركين مقابل تعليم الكتابة، لقد تعلم الصحابي الجليل زيد بن ثابت السيريانية باسبوعين فقط لكي يترجم للنبي صلى الله عليه وسلم لغة يهود، هذا هو ديننا، يحث على العلم والتفوق والكمال والاتقان، وبما أنك ختمت مقالتك بقول الرصافي: "ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوام" فأنا أختم بقول الشاعر: مَا زَالَ في أُمَّتِي الأَبْطَالُ مَا نُقِضَتْ .. مِنْ عَهْدِهَا صَفْحَةٌ إلاَّ لَهَا قَامُوا// وَكُلَّمَا كُبتَتْ في أُمَّتِي رِئَةٌ .. تَنَفَّسَتْ في أَصَمِّ الصَّخرِ أَرْحَامُ// مَنْ ذَا سيَسْطِيعُ أَنْ يَغْتَال وَثْبَتَنَا .. وَهَلْ سَيُطْفِئُ نُورَ الشَّمْسِ شَتَّامُ؟! نعم يا دكتور: الإسلام، ولا شيء غير الإسلام، وليس أي دين غير، هو السبب الأول في تقدم العرب وكل من تمسك به: إذا أبقت الدنيا على المرء دينه*** فما فاته منها فليس بضائر// ومن تكن الدنيا مناه وهمته *** سبته المُنى واستعبدته المطامع.
...
بقلم / الباحث أبو عبد الله المقدادي

تعليقات
إرسال تعليق