عبده الحسين وقراءة في لوحة الفنان المقدادي ( الديكتاتور )

 

يطالعنا الفنان المقدادي كعادته بكل ما هو عميق ومؤثر وعاكس لواقع أمته وهو المشغول دوما بهذا الواقع وينظر له بأساليبه المختلفة .. ولندخل بالموضوع فورا ..

العنوان المختار للوحة هو  "الديكتاتور" ..

 يوجه المتلقي مباشرة لفهم العمل بوصفه تجسيدًا للطغيان والقمع .. فاختيار هذا العنوان يشير إلى أن دراسة شخصية الديكتاتور ليست فقط كفرد، بل كنظام متكامل يعكس الانقسام الداخلي والخارجي في المجتمع الذي يتحكم به.
ولو أردنا تحليل اللوحة بصريا سنجد التالي :

1. وجه الديكتاتور باللون (الأصفر):
الألوان ودلالاتها : 
اللون الأصفر بالطبع في وجه الديكتاتور يشير إلى الخداع والجبن من الناحية النفسية، لكنه قد يحمل أيضًا دلالة على الزيف والبريق المزعوم الذي يحاول هذا الديكتاتور البغيض إظهاره.
الشبكة والخطوط: 
إن وجود السجون على هذا الوجه القميء يعبر عن تشوه داخلي في شخصية الديكتاتور؛ فهذه الشبكات توضح أن القمع ليس فقط ضد المجتمع، بل هو جزء من تكوين الديكتاتور نفسه. إنها شخصية مكبلة بقيود من صنعها.
...

2. الجانب الأيمن (الثوار - الأزرق):
الألوان: 
اللون الأزرق النقي يمثل الأمل والحرية. تواجد الثوار على هذا الجانب يعكس الجانب المضاد للديكتاتور، حيث تنبض الإرادة البشرية بالصفاء والطموح.
الحركة البصرية: التكوين في هذا الجزء يبدو أكثر انفتاحًا وأقل تشظيًا مقارنة بالوسط واليسار، مما يرمز إلى وضوح الهدف لدى الثوار.

3. الرمادي والوسط المتشظي:
اللون الرمادي: 
اللون الرمادي هنا يبدو كجسر بين طرفين متناقضين: القمع (الأصفر) والتحرر (الأزرق). يشير إلى حالة الاضطراب والانقسام النفسي والاجتماعي.

...
ولو أردنا أن ننتجه إلى البنية الهندسية للعمل فنجد التالي : 
الخطوط المتقاطعة والأشكال غير المتناسقة في الوسط تمثل حالة الفوضى التي يعيشها المجتمع تحت ظل الديكتاتورية.
ولو أردنا أن نحلل ذلك سيكولوجيا نقول ..
في شخصية الديكتاتور:
إن وجه الديكتاتور يعبر عن الانقسام الداخلي..
فالسجون التي تملأ وجهه ليست فقط أدوات لقمع الخارج، بل هي دليل على سجنه الداخلي. 
إنه رهين مخاوفه ورغباته في السيطرة.
ويظهر التناقض في الألوان:
 فالأصفر الزاهي والرمادي الداكن يعكسان تضاربًا نفسيًا؛ و هناك محاولة للظهور بمظهر القوة، لكن الداخل منهار ومكسور.

ولو أخذنا الجانب الآخر ..
الثوار والمجتمع:
اللون الأزرق هنا يجسد الروح الإنسانية الساعية للتحرر، بينما الخطوط الأقل تعقيدًا على هذا الجانب تشير إلى وحدة الهدف وصفاء النوايا.
ولو أخذنا البعد الاجتماعي والسياسي في العمل فنقول :
إن لوحة الفنان المقدادي تصور وتلخص الصراع الأزلي دائما  بين فكرتي القمع والتحرر. 
فالديكتاتور يمثل النظام القمعي الذي يخلق انقسامًا داخليًا وخارجيًا، بينما الثوار يمثلون الحركة النقية التي تسعى لتفكيك هذا النظام.


والرمادي في الوسط يوحي بمرحلة انتقالية مليئة بالصراعات، حيث لا تزال آثار الطغيان قائمة، لكن الإرادة للتحرر بدأت تظهر رغم من يؤيد الطاغية لأسبابه الخاصة التي لن نأتي على ذكرها هنا .


أما جانب التقنيات الفنية لدى الفنان المقدادي فممكن أن نلخصه في جوانب عدة :
التجريد التكعيبي : 
العمل التكعيبي يعكس حالة التشظي والانقسام بوضوح. 
الأشكال الهندسية والخطوط المتداخلة تشكل لغة بصرية لتعقيد المشهد السياسي والاجتماعي.
التباين في الألوان: 
التناقض بين الأصفر والأزرق يجعل المتلقي يشعر بالصراع، وهو أحد أهم عناصر اللوحة.
التوزيع المكاني: 
التركيز على الوجه الكبير في اليسار يعطي إحساسًا بثقل الديكتاتور، في حين أن الجانب الأيمن الأخف يرمز إلى المقاومة الصاعدة.

أما الرسالة الفنية التي أرادها الفنان عماد :
فاللوحة بعمومها  تمثل دعوة للتأمل في طبيعة الصراع بين القمع والتحرر. فالديكتاتور يبدو ضخمًا ومتجذرًا، لكن الجانب الآخر يحمل الأمل في التحرر من هذا القمع.

وختاما ..
وفي آخر الكلام نقول إن لوحة الفنان عماد المقداد والتي تحمل اسم "الديكتاتور" تعتبر عمل فني غني بالرمزية والتحليل النفسي .. إنها تضع المتلقي في مواجهة صراع معقد بين السيطرة والتحرر، وتبرز كيف أن الديكتاتور ليس إلا انعكاسًا للضعف الداخلي والقمع الذي يعيشه..
بورك جهدك أيها الفنان الأصيل أبو الهمام  .. أبدعت وأقدم جزيل التحية لجهودك وإبداعك  المتميز .
دمتم بخير 


عبده الحسين 
16 / 4 / 2021


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

غزة… حين تنهض اللغة من رمادهاقراءة في قصيدة الشاعر عماد المقداد/ قلم د. مفلح شحادة

قراءة في ( قصيدة حمير السياسة) للأديب الفنان عماد المقداد بقلم/ د. مفلح شحادة

((الرؤية المستقبلية)) رحلة في فكر الباحث أبو عبدالله المقدادي - بقلم الناقد / محمد الحراكي