الأديب (عبد المنعم جاسم) والفكر المدرب - بقلم الأديب الناقد : محمد الحراكي
افتقادنا لأدوات البحث والإعداد وإيجاد أسس قياسية وعلمية اصابنا بالتراخي والكسل الذهني المختلط بالسذاجة والبلاهة في كثير من الاحيان
وقد تحدث الكثير من العارفين وعلماء اللغة عن معاني الألفة والابتذال والوحشية والغرابة في الألفاظ فحكموا بجمال السهل المألوف وقبحوا الشديد والمبتذل والوحشي والغرابة كذلك في لغة المعاني والصور.
الأديب الشاعر الناقد عبد المنعم جاسم من القلائل الذين وهبهم الله الجرأة والفكر المدرب والثقافة العالية والتذوق الجمالي والكلمة الثاقبة والمتمرس بها في مقارعة الأكفاء ولعل نضوجة الفكري والثقافي جعله يقف علی قاعدة منهجية صلبة من اليقين لا يخشی من جهل أو تجاهل ولا ممن يغطي عجزه بالتهم والتخريف الفكري ولا ممن ادعی او يدعي .
والأكثر أهمية٬ شعوره وامتداد بصيرته الی الفضائل بكل احاسيسه وفكره وخياله وكلامه وبيانه وعفته وطهره.
وتری ( الجاسم ) وضّاءا مشرقا في نفسه وحسه يتنفس الصعداء حين يری مواطن الجمال من ـ وأين كانت ـ خاصة حين يستشرف النص جمالا وابداعا وإيمانا وحضورا للعقيدة ويصبح لديه مصدر طهر وبركة ومداد من حسن .
فالجمال مرتبط عنده في شكل الإنسان بالمعاني والفضائل والأعمال والمشاعر والأحاسيس وفي فكره وخياله وكلامه وبيانه فلا يهبط إلی مستوی الرذيلة ومجون الإنحراف وليس في القبح والدنية والجرائم اللغوية مواطن للجمال؟
ولذلك تراه شكلا ومضمونا ممتدا في حياتنا مشرقا في النفوس والمشاعر والأحاسيس ومحرضا علی الإبداع والتميز والفضائل والتواد والتراحم والتواصل.
فاعلية الكثير من المدركين والعارفين وفهمهم للصحيح والحق البين والمعقول وهم يلوذون خلف ( الجاسم ) ويقفون علی أطراف الميدان مناكفين مدافعين علی استحياء غير مقاتلين لأجل الحفاظ علی إرثنا الأدبي العظيم الذي يضيع.
وعلينا بعد ضياع الكثير مما منحنا الفخر والاعتزاز ان ندافع عن لغتنا التي لم يبقی من عروبتنا سواها؟
الناقد الأديب عبد المنعم الجاسم وإن وجد أمثاله إلا أنه تميز بثقته وثقافته ومعرفته وتذوقه للنصوص الأدبية من الشعر والنثر والقصة والرواية والفنون والأنغام والألحان وقد نهل من كنوز اللغة ماشاء والتي منحتة الجرأة والمناكفة والمنافحة والمشاغبة والمشاكسة أحيانا كثيرة وما أكثر ما يحتاج إليها؟
ولعل الصورة الشنيعة التي نشاهدها في أشعار البعض من المستشعرين والمستشعرات ونصوصهم التي ملأت حفر الشوارع وشقوق الأرض وهم ماضون دون توقف وكأنما خلت لهم الساحة دون اعتراض لهرطقاتهم حتی ظن المتلقي العادي ومن خلال التعليقات الذي يبديها أصدقاؤهم ليصبح المتشاعر او المتشاعرة علی وجه الخصوص ـ وليس القصيدة ـ ملكة واميرة ثم ياتي من يقدم ورقة نقدية ابداعية في حروف القصيدة وكأنما وقف أمام لوحة تشكيلية من أعواد ثقاب يذكر جمالها وزهوها وحروفها ويصفه بالياقوت والمرجان حتی إذا ما رآها الجاسم وأشعل سجارته من عودها الأول واستمتع بعدوی النار تلقف مايأفكون وفي غيهم يعمهون.
فهذا ماجاء في كتبه الكثيرة وخاصة كتابه الأخير :
( وتفلكح الشيخ علی ظهرة ) ..
ويالروعة قلبك ؟
لعل هناك من يتساءل عن فوائد النقد ولما كل هذه المشاكسة من عبد الجاسم وهنا لابد من العودة إلی أمير الشعراء احمد شوقي والعقاد ومن ينكر علی شوقي فنحن نستغربه وننكر ذلك فهو امير الشعراء من سنين ولكن العارف المتمكن من لغته وحجته يكشف لنا عن ران من الجهل الذي يطمس علينا فهم المعنی .
فالجاسم ـ أوـ العقاد ـ حين يذكر لنا حجته ونقتنع بها لابد ان نقف عندها وإلا فإننا منكرون للحقيقة وهذا هو الجهل المبين
ولعل من فائدة في هذه المقاربة
يقول العقاد في قصيدة شوقي في رثاء مصطفى كامل
العيوب التي يكثر وقوع شوقي وأضرابه فيها عديدة ومختلفة الشيات والمداخل ويجمعها بعيوب اربعة:
وهي الايجاز والتفكك والاحالة والتقليد والولوع بالاعراض دون الجوهر وهذه العيوب التي صيرتهم ابعد عن الشعر الحقيقي والمترجم عن النفس الانسانية في اصدق علاقاتها بالطبيعة والحياة والخلود
ثم يتكلم عن الاحالة وهي فساد المعنى
فيقول ..
وهي ضروب ومنها الاعتساف والشطط ..ومنها المبالغة ومخالفة الحقائق ومنها الخروج بالفكر عن المعقول او قلة جدواه وخلو مغزاه فمن ذلك قوله
السكة الكبرى حيال رباها
منكوسة الاعلام والقضبان
..
وقضبان السكة الحديدية لاتنتكس لانها لاتقام على ارجل وانما تطرح على الارض كما يعلم شوقي اللهم إلا ان يظن انها اعمدة التلغراف على انها لو كانت مما يقف او ينكس لما كان للمعنى طائل.
إذ ماغناه قول القائل في رثاء العظماء ان الجدران او العمد مثلا نكست رؤوسها من أجله
ومنها قوله
إذا كان للأخلاق ركن قائم
في هذه الدنيا فأنت الباني
وهذا بيت لو جرى الرثاء والمدح على سنته وانتظم النطق والاداء أجمعه على نمطه لما فهم الناس من الكلام شيئا..ولما كان على من يؤتى هذه المقدرة من النطق ضير ولا خسارة في قطع لسانه.؟
فالأمر شر من اللغو وأقبح من السفة.
من هنا يتبين لنا من هو عبد المنعم جاسم ولما كل هذه المنافحة والمشاكسة والمشاغبة التي لم يعد من حل للمستشعرين أمثالي-- وجدير بي ان اتحدث عن نفسي بأني ناظم للشعر ولست بشاعر وان وجدت لدي بعض من الأبيات التي لم يعجب بها سواي .
فالاسلوب مظهر الأدب وفي جماله جمال ولابد ان يكون صحيح المعنی وجودة اللفظ ونقاءه وارتفاعه عن الركاكة والإسفاف وبعيدا عن التكلف والغموض؟
ذلك هو ( الجاسم ) الشاعر الأصيل والناقد الحر الذي لايخشی في قول الحقيقةـ ولو علی نفسه ـ لومة لائم ولا غضب مستشعر ولا ۔ ولولة ۔ متشاعرة فهو ماض في إظهار مواطن الجمال وتمييز الخبيث من الطيب بكل جدارة وثقة منطلقا من ثقافة عالية ولغة متمكنة فالشعر عنده أجلّ ملكات الإنسان وقوته الروحية يفيض بها الله علی من يشاء ومن يقرأ ويتعلم؟
فالشافعي رضي الله عنه جلس عند اخواله في الصحراء ليتمكن من اللغة الاصيلة في موطنها وامضی سنتين حفظ فيهما عشرة الاف بيت من شعر العرب لتقوی لغته ويتمكن من فهم ايات القرآن الكريم ..
ولم يصبح عالما بالسهولة وشاعرا فقد سعی لها سعيها وتمكن من لغته وهو القائل
ولولا الشعر بالعلماء يزري
لكنت اليوم أشعر من لبيد
فكل الإحترام للأستاذ عبد المنعم الجاسم هذة القامة العالية في رياض الأدب والجمال وكل التقدير.
.
بقلم الأديب الناقد :
محمد الحراكي
ابن العابدين
**************

تعليقات
إرسال تعليق